غزة - فاطمة أبو حية
لا يريد أن يذهب إلى المدرسة لأنه مريض، لكن ما أن يخبره أبواه بأنه سيتغيب بالفعل عن الدوام، فإن أعراض المرض تختفي فجأة، ويعود الطفل لنشاطه بشكل طبيعي، مشهدٌ يتكرر كثيرا، ولأسباب مختلفة، فبعض الأطفال يتعاملون مع المرض على أنه وسيلة لتحقيق ما يريدون، "فلسطين" أعدت التقرير التالي عن ادعاء المرض عن الأطفال، على صعيد أسبابه، وكيفية التعامل معه.
ليحصل على ما يريد
تقول "مرام صابر" إن ابنها الأكبر كان حتى سن الخمس سنوات يفقد الوعي كلّما تعرض لما يغضبه، وكانت تظن أنه مصاب بمرض يجعل جسده غير قادر على تحمل الغضب.

وتقول: "لأنه ابني البكر، فقد كنت أتعامل معه دون خبرة في تصرفات الأطفال، وزرت أكثر من طبيب لمعرفة سبب ما يحدث معه، ولم أكن أصدق من يؤكدون لي بأن ابني لا يفقد الوعي فعلا ولكنه
يمثّل الدور بإتقان".
وتضيف: "آخر طبيب زرته نصحني بأن أتجاهل تصرف ابني بهذه الطريقة، ولا أهرع نحوه عندما يفعل ذلك، وعندها سيتبين لي أنه يدعي المشكلة"، متابعة: "جرّبت نصيحة الطبيب، ووجدت أن ابني عاد لطبيعته بسرعة عندما لم يجد مني أي رد فعل، وبعدها لم يتكرر هذا السلوك سوى مرات معدودة كنت أتصرف فيها بذات الطريقة، إلى أن شعر الطفل بأن هذه الوسيلة لم تعد مجدية للحصول على ما يريد".
الأمر ذاته تتحدث عنه "نور شعبان": "ابنتي الصغرى متعلقة بي جدا، وغير اجتماعية على الإطلاق، حتى عندما تكون في مكان به أطفال في مثل عمرها فإنها ترفض اللعب معهم، وتصر على البقاء إلى جواري".
وتوضح: "يومها الأول في الروضة كان صعبا للغاية بالنسبة لها، ولم تتقبل فكرة البعد عني وعن إخوتها"، مبيّنة: "بعد عدة أيام على هذا الحال، لجأت إلى ادّعاء المرض، فعندما أيقظتها للذهاب إلى الروضة أخبرتني بوجود آلام شديدة في بطنها، وبدأت تبكي من شدة الألم، صدقتها وآثرت بقاءها عندي في البيت لأراقب حالتها".
بعدما اطمأنت الطفلة وتأكدت من عدم ذهابها إلى الروضة، بدأت باللعب وعاد إليها النشاط بشكل طبيعي، مما نبّه الأم إلى حقيقة الآلام التي تحدّثت عنها الطفلة، وأدركت حينها أنها لم تكن سوى حيلة للتهرب من التوجه إلى الروضة كما تقول.
أسبابٌ متعددة
وتقول الأخصائية التربوية نيفين الفراحتة: إن "ادعاء المرض نتيجة لمجموعة من الأسباب، سلوك لا يأتي من فراغ، وعلى الأهل البحث عن السبب الذي يدفع الطفل لذلك".
وتضيف: "من أبرز الأسباب التي تدفع الطفل لادعاء المرض تعلّقه بالأسرة، وعدم رغبته بالانفصال عن الأهل أثناء تواجده في المدرسة، مما يجعله يتخذ من المرض ذريعة للتهرب منها".
وتواصل: "توجد أسباب أخرى تجعل ادعاء المرض بمثابة مؤشر على علاقة الطفل بأسرته"، موضحة: "الدلال الزائد هو أحد هذه الأسباب، حيث يحصل الطفل على قدر كبير من الدلال، ويسعى للحصول على المزيد منه وعلى تلبية أي طلبات له، فيدخل للأهل من باب المرض لشعوره بأنه يجذبهم بهذه الطريقة".
وتبين: "وعلى عكس الدلال، يأتي شعور الطفل بالإهمال أو عدم حصوله على قدر كاف من الاهتمام، فيدعي المرض ليستحوذ على اهتمام الأسرة وتعاطفها"، مشيرة إلى أن الغيرة من قدوم مولود جديد للعائلة قد تتسبب بنفس رد الفعل عند الطفل لرغبته في أن يكون محور اهتمامها من جديد.
وتلفت الفراحتة إلى أنه من السهل أن يفرّق الأهل بين المرض الحقيقي وبين ادعاء المرض، فإذا كان الطفل مريضا فستظهر عليه بعض الأعراض للمرض، بالإضافة إلى أن تكرار السلوك بشكل مستمر علامة على الادعاء، وكذلك يظهر الأمر جليا إذا كان الطفل ينسى ادعاءه للمرض فور حصوله على ما يريد.
وعن التعامل مع الطفل الذي يدعي المرض، تقول الفراحتة: "في هذه الحالة لا يتعامل الأهل مع ابنهم على اعتبار أنه يكذب، بل أول ما يجب أن يفعلوه أن يبحثوا في أخطائهم، وأن يحددوا الخلل والخطأ التربوي الذي وقعا فيه عن غير قصد، فمن المؤكد أن الطفل لم يدّعي المرض من فراغ"، مضيفة: "في الوقت ذاته، لا بد من المواجهة، وتعريف الطفل بأنهم اكتشفوا حيلته، وأنه يجب عدم تكرارها".