عبد العزيز الخضراء
عمان- إن ما جاء به الباحثون منذ أعوام طويلة كان يدعو للاهتداء لتلك الفترة السحرية في حياة الطفل أو “المرحلة الحرجة” التي ينبغي أن يتدخل فيها الوالدان من أجل الوصول إلى أفضل أشكال التطوير في التربية، وقد ادعى بعض الخبراء مثلاً أن هذه الفترة السحرية هي أشهر الحمل التسعة.. وقال بعضهم: إنها العام الأول من حياة الطفل، بينما يؤكد سواهم أن السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل هي أهم فترة في حياته من حيث تطوره العقلي.
ولعله من الدقة القول بأن المتاعب مع جيل الأحداث الحالي كان منشؤها السنوات الباكرة من طفولتهم، ذلك أن الصغار سريعو التأثير بتوجيهات آبائهم وتعليماتهم “الصالحة والطالحة”، فالأخطاء التي تُرتكب في السنوات الأولى تكلف ثمناً باهظاً، ويمر الطفل خلال السنوات الثلاث أو الخمس الأولى من عمره بمراحل دقيقة، ينمو خلالها ويتعلم المواقف والمفاهيم الصحيحة، تلك التي يكون لها فيما بعد صفة الثبات والدوام، وإذا فاتت فرصة تلك السنوات، فاتت معها فرصة القبول إلى غير رجعة.
وإذا شئنا أن يكون أولادنا لطفاء شاكرين، فلنحاول غرس الفضائل فيهم، ولا نتمناها فقط، وإذا رغبنا أن نرى الاستقامة والصدق واللاأنانية في ذريتنا، فلنجعل هذه الخصائص غرضنا الواعي، مقروناً بتوجيهنا المبكر لهم. وإذا كان من الأهمية بمكان أن نربي أحداثاً ونجعلهم مواطنين يتميزون بحمل المسؤولية واحترام الأنظمة، فحريّ بنا أن نهيئ لهم الجو المناسب المتمتع بهذه الميزات.
الوراثة لا تزود الأولاد بالمواقف والمفاهيم الصحيحة، إن الطفل يتعلم ما تعلمه، ولا نقدر أن نتوقع ظهور المواقف والتصرفات المرغوب بها في حياتهم، إن كنا قد أهملنا القيام بواجبنا التربوي المبكر، وثمة إشارة لا بد منها؛ فقد ثبت أن الآباء الذين كانوا غائبين عن أولادهم في هذه السن، قد أخفقوا في تحقيق هذه المهمة الصعبة.
الكثير من الآباء لا يلمُّون بحقيقة واحدة عما يحتاجه الأولاد حين ينجبون، فقد يكونون على جهل تام بمبادئ التغذية والتربية، أو بمراحل نمو الأطفال وأطوارها، ومتطلبات كل مرحلة، وعلى الرغم من أن الأخطاء التي يرتكبونها غير متعمدة، إلا أنه مع ذلك تبقى العواقب وخيمة، ويظهر أنهم اعتقدوا أن الأبوة الناجحة تقوم على التزامين رئيسيين:
1 ـ تنشئة الطفل في جو من المحبة والعاطفة الصادقة
لعل أعظم نقص شاع خلال الربع الأخير من القرن الماضي، كان منوطاً باعتقاد الآباء الجدد بخاصة “بأن المحبة تكفي” لتنشئة الأولاد، وتوقعوا أن تفيض من نبع الحب هذا كل فضيلة صالحة وقيمة، غير أن الزمن أثبت أن الأمر كان مجرد تخيلات، فمع لزوم المحبة للحياة البشرية، فإن المسؤولية الأبوية تتعدى هذا النطاق، قد يحب الأب أو الأم ابنه محبة لا تقاس، وذلك بعد أن يغرس فيه مفاهيم ضارة، وإذا خلت المحبة من التوجيه والإرشاد فهي أعجز من أن تخرج إلى العالم أولاداً متميزين بضبط النفس واحترام الغير. صحيح أن العاطفة والدفء هما سر السلامة العقلية والجسمية والنفسية، لكنهما لا ينفيان الحاجة إلى التوجيه والتدريب الدقيقين.
في مؤتمر عقد لعلماء النفس في لوس أنجلوس، صرح الخطيب الرئيسي بأن أفظع كارثة اجتماعية في هذا العصر هي الاعتقاد بأن المحبة الوفيرة تجعل مسألة التأديب غير ضرورية. المهذبون المسؤولون هم حصيلة عائلات استطاعت وبشكل لائق أن توفق بين المحبة والتأديب، هذان المقومان. لذا يجب استعمالهما بمقادير كافية، فإن استغني عن أحدهما كانت النتيجة في الغالب مأساوية.
2ـ سد حاجات الطفل المادية والجسدية:
قد يقول بعض الآباء: “لقد حرمنا الكثير من المتع، فَلِمَ نحرم أولادنا من الاستمتاع بالثمار؟”. يقيناً لسنا ننكر على الولد حصوله على مقدار معقول مما يرغب فيه، غير أن الأولاد أُغرقوا بالكثير من الفائض عن رغبتهم وحاجتهم وهذا يضر بهم، والحقيقة أنه لا شيء يقتل الشعور بالتقدير أكثر من شعور الولد بحقه في الحصول على ما يريد، ساعة يريد.
ولعلنا نستنير فكرياً بكل هذا، ولو راقبنا ولداً يفتح أكداساً من الهدايا في يوم عيد ميلاده، نجده يتناولها واحدة واحدة، ملقياً عليها نظرة سريعة ثم يطرحها جانبا، رغم ما فيها من محتويات ثمينة وقيِّمة، وقد بذلت جهود وأذواق في اختيارها ممن أهداها، وكون الهدايا سهلة المنال، فهي تصبح قليلة القيمة بصرف النظر عما تُكلِّفتها.
وثمة سبب آخر لضرورة حرمان الولد من بعض ما يطلب، ذلك حين تغمره بالهدايا تسلبه لذة الفرح بها، فالمتطلبات تنشأ عندما تسد فينا حاجة ملحة، فإن زالت الحاجة زالت اللذة، فكأس ماء بارد هي أثمن من الذهب عند رجل يتلظّى عطشا، وهذا التشبيه ينطبق على الأولاد، فالولد الذي لم تتح له فرصة الاشتياق إلى شيء حلم به ليلاً وخطط له نهاراً لن يسعده اقتناؤه، لأن المقتنيات التي تتثاءب عند رؤيتها يمكن أن تكون في نظره غنيمة، فلذا أنصحك أن لا تحرم ولدك البهجة التي يوفرها له الحرمان الوقتي فهي أكثر رونقاً وأقل كلفة.