ابدأ مبكراً.. لا تؤجل، لا تؤخّر، لا تسوّف، فالبركة في البكور، ومن جد وجد، عن تربية الأبناء أتكلّم وعن البرّ بهم أتحدث.
في الحقيقة إننا نعيش في عصر نهضة متسارع الخطى، طغت عليه التكنولوجيا وما أفرزته من آلة تتحكم بوقتنا وتستنزفه، وتصبّ عقولنا فيها وتوجهها كيفما شاءت وأينما أرادت، فانخرطنا جميعاً في بوتقتها حتى تشتّتنا عن بعضنا، ولم يعد بإمكان أحدنا رؤية ملامح الآخر، إلا في أوقات (الفورة) التي نرغم فيها على ترك التكنولوجيا ووسائلها، وسرعان ما نرتد إليها كفصيل جائع طال عليه ترقب أمه وانتظارها.
أولادنا أمانة في رقابنا، والتكنولوجيا جدار فاصل بيننا وبينهم، لكن تأكد أن هذا الجدار سينهار علينا إن لم نرتب وقتنا ونحترم واجبنا ونؤدي مسؤوليتنا بأمانة وإخلاص. تربية أبنائنا واجبة منذ ولادتهم حتى نفارقهم أو يأخذ الله
أمانته.
«ما زال صغيراً»، عبارة نسمعها كثيراً حينما ندافع عن طفل أخطأ، نداري بها فشلنا ونعبّر بها عن هفواتنا وتقصيرنا، إن هذا الصغير أكثر كفاءة منّا نحن الكبار، لديه عقل خال من كل كدر، لا تكدّره بتراخيك، بل قوّم وعالج، واغرس في نفس هذا الطفل ما يمكن أن يكون مثمراً ونافعاً له ولدينه ولوطنه، واعلم أن «من شبّ على شيء شاب عليه»، ورحم الله سلفنا الصالح الذي كان يبدأ بتربية النشء قبل ولادته وتكوّنه في بطن أمه، فلا يطعم أهله إلا حلالاً ولا يسمعهم إلا حلالاً ولا يلبسهم إلا حلالاً.. كل ذلك من أجل أن يشمل الله ببركته النشء القادم. ثم بعد ولادته يسعون جاهدين لتطبيق كل أساس ناجح في تربية الأبناء وتقويمهم وتوجيههم، فالعود النضر يسهل تقويمه، وإذا يبس وجف، فلا يصلح له التقويم، لأنه سيكسر وسيتبّر عملك وتشقى به، وهكذا هم الأبناء بحاجة للعناية والتوجيه منذ نعومة أظفارهم. لا تقل صغيراً على مسمع ابنك، بل عالج الأمر وبيّن الخطأ وقم بالصواب، وكن أنت القدوة الحسنة، فأنت مرآة طفلك، ودليله في كل سلوك، فقوّم نفسك واغرس في طفلك كل غرس مثمر، حتى تحصد بره وخيره، وترضي بذلك ضميرك وتنفذ أمر الله ورسوله فيه، وتكن حقاً خير مسؤول يرعى رعيته. وأنت بذلك ستخرّج جيلاً صالحاً باراً بك وبكل قيم حميدة، يقودنا إلى الحق وقيادة الأمم والتربع على عرشها، فما ساد أجدادنا الأوائل إلا بعدما أحسنوا التربية وباكروا في غرسهم وابتدروا، وكانوا خير قدوة لكل إنسان يروم المعالي. وأختم بقول الشاعر:
هي الأخلاق تنبت كالنّبات
إذا سُقيت بماء المكرمات;