عبد العزيز الخضراء*
عمان- ينسجم الأولاد مع آبائهم بشكل أفضل إذا عاملوهم كأفراد لهم آراؤهم الخاصة، ومن أهم المشاكل الأساسية بين الآباء والأبناء أن الآباء يرغبون أن يصبح أبناؤهم امتداداً لهم، ويحاولون صبهم في قوالب معينة، إِن أهم خطوة ينبغي على الآباء اتخاذها هي أن ينظروا إلى أبنائهم على أنهم كيانات منفصلة عنهم، وألا يحاولوا جعل أولادهم يفكرون بطريقة مطابقة لطريقة تفكيرهم؛ إذ سوف يشعر الأولاد بذلك، ومن ثم يتمردون، فيختفي التعاون بين الآباء والأبناء، ولا يستفيد أحد.
ولتحسين العلاقة بين الآباء والأبناء، يحسن اتباع الآتي:
- اترك لابنك الفرص لإبداء وجهة نظره، فإنَّ قدرته على المناقشة تحقق التقارب بينكما، وتوثق علاقة الأبوة والشعور بالانتماء، ولا تشجع أي تحد طائش، وافعل كل ما من شأنه أن يشعر أبناءك أنك على علم بمشاكلهم فذلك مفيد جداً.
- اجعل ابنك على ثقة بأنك موجود ما أمكن، صحيح أنه ما من أحد يستطيع أن يكون موجوداً على الدوام، لكن المهم كيف تجيب وتستجيب، وكيف تكون موجوداً لتناقش أمور أولادك ومشاكلهم، واحذر أن يكون ذلك بطريقة روتينية، فالعبرة بما تنجزه في ذلك الوقت وليس بطول الوقت، وكلما أحببت الاجتماع بأطفالك، وأبديت الاهتمام بهم وبمشاكلهم واهتماماتهم تحسنت علاقتك بهم.
- حاول أن تشارك أولادك في العمل بدلاً من أن تأمرهم بأدائه وحدهم، ولا تجعل الطفل يعتقد بأنك تستغله كخادم مجاني مفيد، فتفسد علاقته بك، بعكس ما إذا شعر بأنك تشاركه، وأنه ينوب عنك في العمل.
- اكسر رتابة حياتك بين الحين والآخر إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك، فإن ذلك يقربك إلى قلبه أكثر.
- إِذا طلب منك أن تحكِّم بين اثنين من أولادك، فلا تتوقع أن يرُضي حكمك أياً من الطرفين، لكنك تستطيع أن تتخلص من المأزق إذا أبديت روح المرح، وحاولت أن تكون عادلاً، وتعاملت مع مشكلتهما بنـزاهة، لأنك تحبهما رغم كل شيء.
- إذا اتخذت قراراً واتضح لك أنه ليس صائباً، فلا تتحرج من الاعتراف بأنك أخطأت.
التربية الوالدية موقف شخصي
إن آراء الولد معقودة على والديه، فالخير عنده ما يصنعان أو يقولان، والشر عنده ما ينبذان أو يكرهان، وعلى هذا فهما قدوته على كل مفارق طرقه الحياتية التي ترسم له مستقبله وتقوده إلى شاطئ الأمان، وهما العين الساهرة التي تربي سلوكه وتبني شخصيته وترعى نشأته وتنمي قدراته.
التربية أكثر من مجرد أساليب، إنها قبل كل شيء موقف شخصي مستمد من قناعة ومعرفة وخبرة وتجربة، وهي موقف الوالدين اللذين يحددان به نوعية العلاقة وأسلوب تصرفهما تجاه أولادهما، فإذا كان الموقف سليماً كان للتربية حظ كبير أن تكون ناجحة خاصة إذا اعتمد الأبوان الأساليب التي لا بد وأن تختلف وفق أعمار الأولاد ومزاجهم وأوضاعهم.
قد يقال إن موقف الوالدين ليس بمشكلة لأنه (أمر بدهي)، وهذا قول قابل للاعتراض، نقول: هل ثمة آباء -إلا ما ندر جداً- لا يُكنون لفلذات أكبادهم كل حب، ولا يبذلون في سبيلهم كل تضحية؟.. بالطبع لا، ولكني أُضيف: لا يكفي أن نتساءل كيف نُضحي؟ وبعبارة أخرى يجب أن نتساءل عن نوعية حبنا، فهناك حب يحيي وحب يميت.
هناك حب يحرر ويطلق وحب يقيد ويخنق، فما نوع حبنا يا ترى..؟ كلنا نحب أولادنا الحب الصحيح، الحب الذي يحييهم وينميهم ويحررهم ويسعدهم، ولكن علم النفس الحديث كشف لنا عن أن هناك دوافع لا شعورية نابعة من كوامن أنفسنا، ومتأصلة أحياناً في رواسب طفولتنا، وهي من آثار التربية التي تلقيناها.. وكثيراً ما تختلط هذه الدوافع بالحب الوالدي لتحوله بدرجات متفاوتة عن غايته الأصلية.
نحن نعلم أن في أولادنا تناقضات تحيرنا أحياناً، خاصة إذا ما بلغوا سن المراهقة، ولكن الحق يقال بأننا من جهتنا لا نخلو من هذا التناقض الذي نشكو منه عند أولادنا، وقد نعي بعض مظاهره أحياناً، فمن منا لا يعتبر أولاده حيناً قرة عينه، وطوراً عبئاً عليه؟ ومن منا لا يهب أولاده أغلى ما لديه بل الحياة نفسها، ورغم ذلك يضيق بهم أحياناً ويتبرم لأقل إزعاج يلحقه منهم أو لأي هفوة يرتكبونها؟
فنحن تارة نتلقى برحابة صدر ما يصدر عنهم من طيش، وطوراً نحاسبهم بلا رحمة على كل شاردة وواردة! هذه التناقضات بمجملها ليست سوى مظاهر لتناقض عميق كامن في صميم حبنا الوالدي، تناقض لا نعيه في كثير من الأحوال، ولكنه يُحدد -من حيث لا ندري- تصرفاتنا وسلوكنا وإذا شئنا أن نصف هذا التناقض قلنا إنه قائم بين موقفين أحدهما يعتبر أولادنا وسيلة والثاني غاية.