اللجنة العلمية في مكتب الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في جنوب بريدة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد:
فإن التربية الصالحة الناجحة هي توفيق من الله تبارك وتعالى، وفضل يتفضل الله عز وجل به على بعض عباده، ولكنْ ثمة أسباب تُبذَل، وعوامل تكون على أرض الواقع؛ لتكون سببًا لهذا الفضل العظيم والجزيل، ومما لا شك فيه أن الجميع يرجو تلك التربية الهادفة الطيبة الصالحة، ولكن الرجاء والتمني من دون بذل أسباب لتحصيله هو نوع من العجز والضعف، أما البحث عن الأسباب والعوامل المؤثرة إيجابيًّا على تحصيل تلك التربية، فهو من الكياسة والحصافة وبعد النظر، ودونكم - أيها الكرام - عدة عوامل وأسباب يمكن أن تساهم في تحصيل التربية الطيبة الصالحة؛ وهي كالآتي:
العامل الأول:
استشعار المسؤولية والرعاية تجاه الذرية دنيا وأخرى؛ فالله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6]؛ الآية، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته))؛ [متفق عليه]، فهذان النصان العظيمان من القرآن والسنة يوضحان بجلاء عظم المسؤولية الملقاة على عواتق الأولياء في تقديم كل ما يمكن من شأنه صلاح الذرية، وإذا استقر ذلك في الأذهان، فإنه يتضح لنا ذلك المفهوم الخاطئ الذي يتعلق به بعض الأولياء بقولهم: الهداية بيد الله، وإن كان هذا صحيحًا في الجملة، لكنه لا يعني الإهمال والاتكال، فالهداية نوعان: فهداية التوفيق بيد الله تبارك وتعالى، أما هداية الإرشاد، فهي بيد المخلوق، فهل ذلك الولي الذي يتصف بهذا المفهوم الخاطئ قد استنفد هداية الإرشاد؟! فالأمر - معاشر الأولياء - جدُّ خطير، فالبدار البدار ما دام في الأمر مهلة، وإذا بذل الولي جهده، ولم يوفق أولاده للصلاح، فقد حاز الأجر على عمله في دنياه، وحصل له العذر في أخراه.
العامل الثاني من العوامل المؤثرة في البيوت:
ذِكْرُ الله تعالى في البيوت، إن ذكر الله تبارك وتعالى في البيت سبب لطمأنة القلوب، وشرح الصدور، وطرد الشياطين، وحصول البركة، وكفى بها ثمرات عظيمة في الصلاح والإصلاح، بل إن كلمة "بسم الله" عند دخول البيت لها الأثر الفعَّال والكبير؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء))؛ [الحديث رواه مسلم]، وكما كان ذلك في الدخول، فهو أيضًا في الخروج؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذٍ: هُديت وكُفيت ووُقيت، وتنحى عنه الشيطان))؛ [أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني].
وكم هو جميل أن يقوم الوالدان بتحفيظ أولادهم الأذكار الدورية اليومية؛ كأذكار الصباح والمساء، والمأكل والمشرب، والنوم والاستيقاظ، وغيرها؛ فهي خير تُعمر به البيوت.
العامل الثالث من العوامل التربوية في البيوت:
الصلاة فيها، فكما تعمر المساجد بالصلوات المكتوبة، فلتعمر البيوت بالنوافل ليتعلم الكبار، ويقتدي الصغار، ويتفقه أهل البيت؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته؛ فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا))؛ [رواه مسلم]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة))؛ [متفق عليه]، ففي صلاة النوافل في البيوت ثمرات عديدة من الإخلاص والتربية وعمارة البيوت، وتعليم الجاهل، وتذكير الغافل، وجلب الملائكة، وطرد الشياطين، وغيرها كثير، أما صلاة الزوجين جميعًا من الليل، فحسبهما أن يكتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.
العامل الرابع من العوامل التربوية المؤثرة في البيوت:
تلاوة القرآن في البيت، فالقرآن هدًى ونور وبصائر وشفاء، ومن أسس التربية في البيوت إشاعة تلاوة القرآن العزيز فيها، فكم هم مغبوطون أولئك الحفظة والقراء في بيوتهم، وهؤلاء النسوة اللاتي الْتَحَقْنَ بالدور النسائية فتجهزن في بيوتهن في تلاوة القرآن، وهؤلاء الشبيبة الملتحقون بحِلَقِ القرآن، فالجميع مغبوطٌ في إشاعة التلاوة في بيته تعبدًا وطلبًا واستعدادًا لضبط ذلك المنهج القرآني المقرر، فالجميع يقرأ ويتلو، ومما يؤكد عليه قراءة سورة البقرة في البيوت؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة))؛ [رواه مسلم]، وكذلك آية الكرسي عند النوم، فمن قرأها عند منامه، ((لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح))؛ [رواه البخاري]، ومن الجميل جدًّا أن يوضع في البيت حلقة قرآنية، ولو كانت يسيرة فهي خير عظيم.
العامل الخامس:
الأذكار الصباحية والمسائية في البيوت، فهذه الأذكار سياجٌ حافظ لأهل البيت بإذن الله، وتحصين لهم من شياطين الإنس والجن، وعلى الآباء والأمهات أن يتعلموا تلك الأذكار، ويحافظوا عليها، ويعلموها لأولادهم ويأمروهم بها، فهي من الضرورة بمكان، ومن هذه الأذكار الصباحية والمسائية ما يلي:
أولًا: قراءة آية الكرسي وهي: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255]؛ إلى آخر الآية.
وكذلك آخر آيتين من سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 285]؛ إلى آخر السورة.
وكذلك السور الثلاث: الإخلاص والفلق والناس؛ ثلاثًا في الصباح، وثلاثًا في المساء، وكذلك أيضًا قول: ((بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم))؛ ثلاثًا في الصباح والمساء، وأيضًا قول: ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق))، وأيضًا كذلك قول: ((سبحان الله وبحمده)) مائة مرة في الصباح، ومائة في المساء، وكذلك أيضًا قول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))؛ عشرًا أو مائة، ولكل منهما فضله الخاص به، فهذه الأذكار وأمثالها هي حصن حصين للمسلم، وهدًى واقتداء، وتقًى وأجر، وثواب وحسنات تتوالى، فلا تكن عنها متشاغلًا، ولا في خلالها ساهيًا وغافلًا، بل قُلْها بحضور قلب؛ ففيها الخير العظيم.
العامل السادس من العوامل التربوية المؤثرة في البيوت:
القدوة الحسنة في البيت، إن القدوة والاقتداء يختصر على المربين جهدًا كبيرًا، ووقتًا طويلًا، فالأبوان والإخوة والأخوات الكبار هم موضع القدوة لأهل البيت في سلوكهم ودينهم، وفي أخلاقهم وحركاتهم وسكناتهم، فالأبوان مرآة صادقة لأولادهم، ونقول هذا؛ لأن الأولاد - خصوصًا الصغار - يجعلون ما يرونه ويسمعونه من والديهم هو الصحيح الذي يجب أن يمتثل، وإذا كان الأمر كذلك، فليتَّقِ الله تعالى الأولياءُ، فهم مرشدون من خلال كلامهم ومعاملتهم، ومما يكون سلبيًّا لدى الآباء والأمهات أن يوجه بشيء، ويعمل شيئًا آخر، فإذا كان المرء على دين خليله، فكيف الأثر بالوالدين؟
العامل السابع من العوامل التربوية المؤثرة في البيوت:
التفاهم بين الزوجين على أدوار التربية لأولادهما، فكل منهما مكمل للآخر، وكل منهما له مهمته وعمله الذي لا يتعارض مع الآخر، ومن التكامل أن الأم تعطف في جوانب يناسبها العاطفة، والأب يحزم في مواطن يناسبها الحزم، وأن يتفقا جميعًا على أسلوب التشجيع والتحفيز، وإياكما أن تظهر جهودكما مظهر التضاد والاختلاف؛ فهذا مما يفرق الأولاد، وإياكما أن تظهرا خلافكما الذاتي للأولاد؛ فذلك يؤثر سلبًا عليهم.
العامل الثامن من العوامل التربوية المؤثرة في البيوت:
الدعاء لأهل البيوت، فالدعاء عبادة عظيمة، ولربما صلُحت الأحوال بسببه، وهو مطلب كبير في استصلاح الذرية، فليحرص الوالدان في الدعاء لهم، والاستمرار عليه، وتعليمه لأولادهم، فقوما من الليل، وارفعا الأكف لاستصلاح ذريتكما، فليس هذا بكبير ولا كثير على ذلك، وليكن الدعاء بصلاح الدين والدنيا.
وهذا الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: "اللهم إني اجتهدت في تأديب ابني عليًّا، فعجزت عنه، فأدبه أنت لي"، فاستجاب الله دعاءه، فكان ابنه من كبار الأولياء، كبير الشأن، قانتًا لله تعالى؛ كما ذكره الذهبي رحمه الله، وفي وقتنا المعاصر اشتكى عدد من المربين جنوح أبنائهم، فأكثروا من الدعاء، فأصلح الله تعالى لهم ذريتهم.
العامل التاسع من العوامل المؤثرة تربويًّا في البيوت:
السلام على أهل البيت؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: 61]، فوصفها الله تعالى بالبركة والطيب على أهل البيت؛ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة كلهم ضامن على الله، وذكر منهم: ورجل دخل بيته بسلام))؛ [حسنه الألباني]، ومما يُروَى في حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا دخلت على أهل بيتك، فسلم، تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك))، والسلام فيه ثلاث دعوات عظيمة: السلامة، والرحمة، والبركة، وكلها معانٍ عظيمة، وصلاح وإصلاح.
العامل العاشر من العوامل المؤثرة تربويًّا في البيوت:
أشخاص مهمون في التربية ومشاركون في تفعيلها، ومن هؤلاء إمام المسجد، وخطيب الجمعة، ومعلم الحلقة، ومعلم المدرسة، ومرشدها، والصديق الصالح، والجار الصالح، فهؤلاء وأمثالهم يساهمون بطريق غير مباشر في التربية، بحيث يستعان بهم بعد الله تبارك وتعالى في استصلاح الأولاد، كلٌّ فيما يخصه ويجيده، وقد يشتركون جميعًا في شأن تربوي واحد، وقد تختلف أساليبهم فيكمل بعضها بعضًا، وهذا من التعاون الذي أمر الله تعالى به؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وعلى كل واحد من هؤلاء وأمثالهم أن يجتهد في عون أخيه على استصلاح ذريته، فهذا من باب الإحسان الذي يجازى الإنسان به إحسانًا مثله لذريته، ولا يألو أحدنا جهدًا في بذل وسعه، لعل الهداية أن تكون على يديه، فيكون ذلك الصالح صدقة جارية له.
معاشر الآباء والأمهات، هذه عشرة عوامل تربوية مؤثرة في البيوت، يحسن بنا الاهتمام بها وتطبيقها، وتفعيلها ونشرها، والمناقشة حولها في مجالسنا، لعل الله أن يجعلها سبلًا قويمة، وأسبابًا مستقيمة في صلاح وإصلاح ذرياتنا، فإن صلحوا، فهو فلاح لنا ولهم، وقرة عين، وارتياح واطمئنان، وسكون وسلامة، وإن كانت الأخرى - لا قدر الله - فقد أعذرنا أمام الله تبارك وتعالى، وذكرناهم وأمرناهم، ونهيناهم وأرشدناهم، وعزاؤنا أن أملنا بالله تعالى قريب وقوي أن يعودوا وينيبوا، أصلح الله تعالى لنا جميعًا نياتنا وذرياتنا ولجميع المسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.