محمد صلاح
قد لا تحتاج الأبوة والأمومة أكثر من منح الأطفال حريتهم كبشر عاديين يستحقون الحب، لكن الخوف من أن يُصبح العالم عدائيا ويزداد تنافسية هو ما يدفع الأبوين إلى السعي نحو الكمال وضمان تفوق أطفالهما في كل نشاط لتأمين فرصهم في النجاح وتحقيق السعادة في الحياة.
لكن "السعي للكمال والتمسك به يُصبح أكثر خطورة، عندما يُمارس على أطفال من الطبيعي أن يقعوا في الأخطاء، باعتبارها وسيلة للتعلم والإبداع واكتساب الخبرات، في هذه المرحلة من عمرهم" كما تقول الكاتبة الأميركية الهندية ريا شوبرا لموقع "إنستيلري" (Instillery).
وهذا يحدث في الوقت التي تسلبهم المعايير المثالية وغير الواقعية القدرة على الاستكشاف والمخاطرة، وتحرمهم من مشاعر الدهشة والفرح.
ويبقى حرص الأبوين على توجيه الأطفال وتعليمهم، وتحسين مهاراتهم ليتطوروا وينجحوا طبيعيا ما لم يتحول من دفعة لتعزيز ثقتهم إلى توقعات مستحيلة توضع على أكتافهم الصغيرة.
كيف تستدرجين طفلك الكتوم ليحكي عن يومه الدراسي؟
7 عواقب لطلب الكمال من أطفالنا
وتقول إيمي مورين المُعالجة النفسية ومؤلفة كتب القوة العقلية الأكثر مبيعا "إن أي أب يعتقد أن السعي للكمال هو رمز للمكانة ربما لا يدرك أن المثالية تؤثر سلبا على حياة الأطفال" ويمكن أن تكون لها عواقب طويلة المدى، تؤدي إلى:
أطفال مثاليون: يحرصون أن يكونوا الأفضل بأي ثمن بسبب نشأتهم تحت عين الوالدين المثاليين الساهرة التي تُعيق نموهم وتجعلهم يشعرون بأنهم لا يستطيعون إنجاز أي شيء لتلقيهم رسالة مفادها أنه لا يوجد حل وسط، فإما أن يتفوقوا أو يُنظر إلى أدائهم على أنه فشل.
لا يعرفون الرضا: تُعد المعايير العالية هدفا جيدا وإيجابيا يمنح الأطفال الذين يميلون للاستمتاع بالتحدي، فمُتعة الإنجاز يجب أن تتناسب مع أعمارهم ومهاراتهم. لكن توقع الكمال من الطفل العادي قد يؤدي لإضعاف شعوره بالثقة، ويؤثر على استعداده لمواجهة التحدي لشعوره بأن ما يفعله ليس جيدا "ويجعله يشعر بتدني قيمة الذات، ويميل إلى التركيز على أخطائه وتقليل إنجازاته مما يمنعه من الشعور بالرضا".
عُرضة للمخاطر العقلية: عندما يُصبح أبناء الآباء الساعين إلى الكمال بالغين ويصلون إلى سن الرشد، قد يكونوا أكثر عُرضة للاكتئاب والإدمان وإيذاء النفس، حيث تُظهر الأبحاث أن السعي إلى الكمال يرتبط ارتباطا وثيقا ببعض الأمراض العقلية كالوسواس القهري واضطرابات الأكل.
مهووسون بالكمال: لأنه قد يكون مُعديا في الغالب، يمكن للآباء المثاليين أن يربوا أطفالا مهووسين بالكمال ويكافحون للحصول على القبول، ويرفضون المساعدة تحاشيا للظهور بمظهر الضعيف، ويعتقدون بحتمية التفوق من خلال تلبية معايير عالية مستحيلة ليكونوا جوائز لآبائهم.
يقسون على أنفسهم: لأن المثالية مع الأطفال يمكن أن تُسبب مشاكل عاطفية وتنموية وسلوكية خطيرة، كما أن التعامل بقسوة مع أي إنجاز يُنظر إليه على أنه غير مطابق لمعايير الكمال، فهذا قد يُصيبهم بإحساس عميق ومستمر بالفشل والاستياء، فيقسون على أنفسهم وينتقدون ذواتهم بلا هوادة.
يخافون من الفشل: يمنعهم خوفهم هذا من تجربة أشياء جديدة، كما يحول القلق من ارتكاب الأخطاء بينهم وبين النجاح ويسبب لهم مزيدا من التوتر الذي قد يضر بصحتهم الجسدية والنفسية.
يُقايضون بالإنجازات: نادرا ما يشعر أبناء الآباء الساعين إلى الكمال بالفخر، فهم يعملون بجد لمجرد أن يكونوا مثاليين، ويسعون جاهدين للحصول على رضا وحب والديهم مقابل ما حققوه من إنجازات. وقد ينبع هذا من الرغبة في جذب الانتباه، وتقليل توتر الوالدين.
7 خطوات للتوقف عن طلب الكمال من الأبناء
تنصح المعالجة النفسية بـ "التوقف عن طلب الكمال من الأبناء، تفاديا لما قد يكون له من تأثير معاكس" ولتحقيق ذلك عليهم اتباع هذه الخطوات:
اختبار رسم الدائرة: عندما نمسك بورقة وقلم لنرسم دائرة مثالية، سنجد أنفسنا نحاول مرارا وتكرارا لكي ننجح، قبل أن نكتشف أن الأمر صعب جدا. وبينما نُحصي عدد الدوائر التي نجحنا في رسمها بشكل معقول، سنقبل بفكرة أن الإنجاز الجيد، قد يكون هو أفضل ما لدينا، وأن الكمال أمر مستحيل، وعندها نمنح الأطفال الفرصة دون أن نطالبهم بالكمال.
السماح لبعض عيوبنا بالظهور: اكتشاف الأبناء لبعض عيوب الآباء يمنحهم الثقة للتعلم من ارتكاب الأخطاء، ويوفر لهم قدوة جيدة، بدلا من قضاء الوقت في محاولة جعلهم مثاليين. ولهذا على الأهل مشاركة أطفالهم قصص إخفاقات الأهل، وأن يوضحوا لهم أنهم ليسوا مثاليين، ويخبروهم عن مرات فشلهم في الاختبارات أو في الحصول على وظيفة ويشرحوا لهم كيف تعاملوا مع الفشل.
إدراك أن الأطفال بلا خبرات: ليس من العدل توقع الكمال من أطفال في طور النمو ويتعلمون الكثير من الأشياء في وقت واحد، ويحتاجون إلى الممارسة وليس المثالية. فكما أن الأبوين قد يكونا حديثا عهد بتجربة الأبوة وليس لديهما خبرات للاستفادة منها في الممارسة العملية، كذلك الأطفال أيضا، هم حديثو عهد بتجربة الطفولة، وليس لديهم رصيد من الخبرة والدروس المستفادة ليعتمدوا عليها.
الأسرة ليست أكاديمية: يجد الآباء الذين حققوا إنجازات عالية في الدراسة والعمل صعوبة في التخلي عن المثالية، لأنهم لم ينتبهوا إلى أنه في مكان العمل والأوساط الأكاديمية هناك أهداف وغايات واضحة لقياس الإنجازات.
تعزيز النمو العقلي: الابتعاد عن التفكير بطرق صارمة وثابتة تجاه مواهب الطفل وذكائه وشخصيته، والتركيز على إمكانيات النمو وفوائد الجهد والتطوير والمثابرة والدعم، من خلال تدريب الأطفال على الانتقال من "لا أستطيع، لن أنجح مطلقا" إلى "سأحاول".
راقب توقعاتك: تأكد من أنك لا تضغط على طفلك ليكون مثاليا، وامدح جهوده بدلا من نتائجه، وساعده في تحديد ما يمكنه ولا يستطيع التحكم فيه، وعلمه التعاطف مع الذات بدلا من جلد الذات.
نحبهم لأنهم موجودون: بدلا من أن نربط جدارة أطفالنا بإنجازاتهم، من الأفضل أن نقنعهم بأننا نحبهم لمجرد وجودهم في حياتنا وليس بسبب إنجازاتهم.