ربى الرياحي
عمان - الفيديو الذي انتشر مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي أظهر حادثة اعتداء طلاب على معلم أثناء محاولته فض مشاجرة طلابية، كان صادما بكل المعايير. هذا الفيديو "يهمش" قيما تربوية لطالما تربت أجيال عليها، أهمها، احترام المعلم وتقدير رسالته وعطائه، ودوره اللامتناهي في بناء الأجيال والأوطان.
التعدي على المعلم يعتبره مختصون انتهاكا صارخا للقيم ما يتطلب جهودا حثيثة لمنعه ووضع قوانين صارمة للحد منه، وزيادة الوعي بالدور المحوري الذي يؤديه المعلم في بناء الأجيال والمساهمة في تقدم المجتمع ورفعته وازدهاره.
بين الأمس واليوم، تغيرت الكثير من القيم والمفاهيم وباتت العلاقة بين الطالب ومعلمه تميل أحيانا للعدائية، وتغييب ثيمة الاحترام لمن أفنى حياته ليرفد الوطن بالكفاءات في مختلف المجالات.
في الآونة الأخيرة أصبح الاعتداء على المعلم سواء من قبل ولي الأمر أو حتى الطالب نفسه واحدا من الأخبار المتداولة والتي تثير الاستغراب والقلق والصدمة. فخلف أسوار المدارس هناك أبناء يعانون الخوف والضياع وضغوط نفسية أخرى قد يرجع سببها إلى البيت، وتكون نتائج ما يعايشونه اتباع سلوكيات سلبية ومؤذية في المدرسة.
مشاهد العنف ضد المعلمين والتي تعتبر طارئة على مجتمعنا، مقلقة تدعو لوقفة حقيقية، والبحث في أسباب المشكلة وإعادة الهيبة لمهنة التعليم وللمعلم الذي لولاه ما بنيت حضارات ولا ترسخت قيم.
الاستشاري التربوي الأسري الدكتور عايش نوايسة يذهب إلى أن التطور العلمي والتكنولوجي والرقمي أثر في جوانب الحياة كافة، ومنها الجانب الذي يتعلق بطبيعة العلاقات البشرية والأدوار التي يؤديها الأفراد، ومنها مهنة التعليم.
ويضيف؛ كان المعلم محط أنظار واحترام الجميع، وكان يشار إليه بالبنان في المجتمع الذي يعيش فيه ويمارس أدوارا أخرى مجتمعية غير الدور التعليمي وكان مصدر القوة كونه المصدر الوحيد للمعرفة في ذلك الزمان.
وبحسب نوايسة، تطور هذا الدور وأصبح المعلم مساهم مهم في بناء المجتمع، فمن خلال عملية التعليم يعزز مهارات التفكير الشامل، ويلهم الطلبة وأولياء الأمور، ويلعب الدور الرئيس في التنمية الشاملة وفي توجيه الطلاب، وتعليمهم كيفية استخدام المعرفة وتطبيقها في حياتهم.
أمام هذا الدور الكبير للمعلم، تراجع بعض الشيء التقدير المجتمعي لمهنة التعليم، والأسباب لذلك متعددة منها التركيز بشكل كبير على التعليم بالنتائج وإهمال الجانب المتعلق بالسلوك والقيم لدى الطلبة.
وينوه نوايسة، إلى أن التشريعات الناظمة لعملية التعليم بحاجة إلى تطوير لتراعي التطورات وتشكل ضوابط تنظم العلاقة بين جميع الأطراف داخل المدرسة، إضافة إلى زيادة فاعلية أولياء الأمور ودورهم في متابعة الأبناء وتوجيه سلوكياتهم بطريقة أكثر إيجابية واحتراما للمعلم ودوره في تربيتهم.
ويؤكد نوايسة، في مجتمعنا نحن بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة المعلم إلى مكانه الطبيعي ودوره الأساسي، ولعل تجارب العالم اليوم التي تقدر المعلم وتحترمه نموذجا لنا في ذلك ففي اليابان مثلا، يحظى المعلم الياباني بالاحترام الواسع في جميع طبقات المجتمع يصل إلى حد التقديس فعندما يدخل المعلم إلى الصف يقف جميع الطلبة ينحنون احتراما كبيرا ثم يقول الطلاب العبارة الآتية: "يا معلمنا نرجو أن تتفضل علينا وتعلمنا" وهو رجاء يفوق الاحترام العادي لأن مدلول كلمة "سيسني" في اللغة اليابانية له معنى أدق وأعمق في المبالغة في الاحترام ولهذا، يعتبر فخراً يطلق على الأطباء وأعضاء البرلمان.
وفي فنلندا كذلك، المعلم لديهم يشعر بالفخر كونه معلما، ويستمد فخره من احترامه لمهنته ومن نظرة المجتمع إليه، فالجميع يقدر دوره كونه صاحب مهنة مرموقة محترمة ويتنافس عليها الكثيرون.
خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم، تشير إلى أن العلاقة بين المعلم وتلميذه تقوم على الود والاحترام المتبادل، ولكن في الفترة الأخيرة بدأنا نستمع لبعض الأخبار التي تنص على استهزاء بعض الطلاب بمعلمهم، الأمر الذي يختلف مع أخلاقنا التي نشأنا عليها في مجتمعنا.
وتذهب إبراهيم إلى أن الطلاب الذين يعتادون في بيوتهم ومن الوالدين، احترام المعلمين سوف ينعكس هذا الأمر على شخصيتهم، بأن يكون الطفل مهذبا ويحترم الأكبر منه سنا ومن له فضل عليه.
تطور دور المعلم في عصر التربية الحديث، وأصبح ينظر إليه على أنه معلم ومرب في آن واحد، فعلى عاتقه تقع مسؤولية الطلاب في التعلم والتعليم والمساهمة الموجهة والفاعلية في تنشئتهم التنشئة السليمة، من خلال الرعاية الواعية والشاملة للنمو المتكامل للفرد.
إلى جانب دوره في خدمة المجتمع والمساهمة في تقدمه ورقيه. ووفق إبراهيم، فإن احترام المعلم وتقديره يعتبر أمرا أساسيا وفرضا على جميع الطلبة، فهو المساهم الأساسي في تخريج جيل واع ومثقف.
وهنا تقع مسؤولية الأهل في تعويد أبنائهم على احترام المعلم وتقديره، والأخذ بنصائحه، والتواضع للمعلم والاعتراف بفضله على الطالب في اكتساب المعرفة.
غرس قيمة احترام المعلمين وتقدير أدوارهم في الحياة هو جزء أصيل يدل على حسن التربية ورقي الأخلاق، وفق إبراهيم، مهما اختلفنا مع الأسلوب والثقافة الخاصة بهذا المعلم، لأن احترام المعلم يزيد من رغبته بالعطاء والبذل اللامحدود للطلاب.
وتمتلك العديد من المدارس قائمة متاحة للطلاب وأولياء الأمور والتي تنص على معرفة القيم الأساسية للمدرسة، والتي يفضل أن يعرضها أولياء الأمور على أبنائهم، لأن الثقة والاحترام بين الطلاب والمعلمين ضروريان لخلق بيئة تعليمية إيجابية.
وتبين إبراهيم أن ثقة الطلاب بمعلميهم، تعني الاستماع لنصائحهم، وهذا يؤدي إلى تجربة تعليمية أفضل ونقل أكثر فعالية للمعرفة.
من ناحية أخرى، عندما يكون هناك نقص في الثقة والاحترام، قد يصبح الطلاب غير منخرطين أو غير مهتمين وحتى مزعجين، مما قد يؤثر سلبًا على تعلمهم وديناميكية الفصل الدراسي بشكل عام.
وتنص المادة 5 من تعليمات الانضباط الطلابي في المدارس الحكومية والخاصة لسنة 2017 على: "تقع عقوبة الإنذار على الطالب المخالف بتنسيب من مربي الصف وقرار مدير المدرسة على المخالفات الآتية:- أ- تهديد المعلمين أو العاملين في المدرسة بالاعتداء عليهم أو على ممتلكاتهم، ب- الاعتداء على ممتلكات المعلمين أو العاملين في المدرسة أو إتلافها، مع إلزامه بإصلاح الضرر والتعويض".
كما تنص الفقرة أ من المادة السادسة على: "إيقاع عقوبة النقل داخل مدارس المديرية على الطالب المخالف بتنسيب من المجلس وقرار من المدير في الحالة الآتية: تكرار إحدى المخالفات المنصوص عليها في المادة 5 من هذه التعليمات والمقترنة بالإنذار".