هل يصرّ طفلك على تناول الطعام بطريقته الخاصة؟ أهم ما يجب معرفته في هذا الإطار هو أنّ الأكل ينبغي أن يكون متعة بالنسبة إلى جميع أفراد الأسرة، لا فرصة لفرض سلطة الأهل وتأديب الطفل!
نظراً إلى كثرة انشغالاتنا اليومية، قد يكون تناول وجبة الطعام المناسبة الوحيدة التي يمكن الجلوس فيها مع أطفالنا بكل هدوء. إنها لحظات رائعة بالنسبة إلى الأم التي ترضع طفلها أو تطعمه بنفسها! لكن بالنسبة إلى الأطفال، تشكّل هذه اللحظات أحياناً فترة مزعجة تتصاعد خلالها الضغوط عليهم.
وفقاً للخبراء، على الأم ألا تبدي ردة فعل عنيفة خلال القيام بهذه المهمة بغض النظر عن مزاج الطفل عندما يأكل. فقد يؤدي أي موقف خاطئ إلى تطوّر سلوك مَرَضيّ لديه عند تناول طعامه ويصعب محو آثاره في مرحلة لاحقة. بل على الأم أن تكون قدوة لطفلها من خلال تحويل وجبة الطعام بين أفراد الأسرة إلى لحظة تواصل صادقة وطريقة لتعلّم بعض المبادئ. لقد ثبتت فاعلية هذه الاستراتيجية، التي تبدو بسيطة ظاهرياً، لكلّ من يريد أن تكون فترة تناول الطعام صحية وسليمة بالنسبة إلى الطفل. لذا ننصحك من الآن فصاعداً بتطبيق بعض القواعد الذهبية عند الجلوس إلى المائدة. في ما يلي يقدّم الاختصاصيون خطوات عملية ستساعدك في التنعّم بوجبات طعام ناجحة مع طفلك:
1 - أولاً، تنفّسي بعمق، ثم ابتسمي.
2 - ابدئي في عقلك عدّاً تنازلياً من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم استعدّي جيداً لوجبة الطعام المشتركة مع طفلك.
3 - إحرصي على تهيئة الجو الحميم المناسب لتناول الطعام: تحدّثي عن يومك، أطلقي الدعابات... ذلك تزامناً مع وضع طبق الطعام أمام طفلك.
4 - قدّمي لطفلك كميات طعام قليلة في طبق صغير خاص به. أحياناً، يشعر الطفل بالإحباط عند رؤيته طبقاً كبيراً جداً وممتلئاً بالطعام. أما في حال استعمال طبقٍ أصغر حجماً، فقد يطلب كميات إضافية بنفسه. جرّبي الأمر وستلاحظين الفرق!
5 - هل يطلب طفلك طعاماً إضافياً من دون أن يلمس الطعام في طبقه أصلاً؟ حضّري له طبقاً خاصاً يحتوي على حصص صغيرة من مأكولات غنية بالسعرات الحرارية والطاقة، مثل المعكرونة والرز. لزيادة نسبة السعرات الموجودة في الطعام، يكفي إضافة صفار بيضة إلى الهريسة، أو ملعقة صغيرة من كريما الجبنة الطازجة إلى حسائه. يمكنك أيضاً أن تقترحي عليه طبقه المفضّل، من وقتٍ إلى آخر، كي يستمتع أكثر بهذه اللحظات المهمّة.
6 - ابتكري أطباقاً جديدة: يمكنك تحضير الخضار المنقوعة في صلصة باللبن أو صلصة مكوّنة من الشمندر والجبنة الطازجة، أو سلطة الجزر بالبرتقال، أو هريسة بالبطاطا والكوسا. فقد تفتح هذه المأكولات شهيّته. من الطرق الأخرى، يمكنك رسم صورة صغيرة في طبقه بصلصة الطماطم والخس مثلاً. هكذا، سيتحمّس أكثر لتناول الطعام.
7 - لا تمضي طوال فترة تناول الطعام في النظر إلى ما يفعله. دعيه يتصرّف على سجيّته قليلاً.
8 - بعد مرور 10 أو 15 دقيقة، خذي منه طبقه، سواء انتهى من الأكل أو لم ينتهِ، واعرضي عليه تناول التحلية، على ألا تكون المفضّلة لديه، مثل اللبن أو الفاكهة.
9 - ما إن ينهض عن المائدة، لا تعطيه أي شيء آخر ليأكله. حتى لو لم يأكل كمية كافية من الطعام، لن يصيبه أي مكروه، بل ستكون شهيّته أكبر في الوجبة المقبلة. من خلال الحدّ من تناول الطعام عشوائياً بين الوجبات وإعطاء الطفل تحلية خفيفة أو وجبات لاحقة في أوقات محددة، ستبدئين بملاحظة الفرق!
نصائح إضافيّة
- طفلك يواجه مشكلة على مستوى شهيته؟ أدخليه إلى المطبخ. إذا ساعدك في غسل الخضار أو ترتيب الطعام في الأطباق، سيشعر بشهية أكبر لتناول «أطباقه الخاصة». اشتري له مئزراً وكتيّبات عن أشهى الأطباق، وافعلي كل ما يلزم لفتح شهيّته.
- فكّري بدعوة أحد أصدقاء طفلك الذي يحب الأكل على أنواعه، حتى البروكولي والسمك المفيدين، لمشاركته الطعام. فغالباً ما يتشجّع الطفل على الأكل مع أطفال من عمره.
- اشتري الكتيّبات المتعلقة بكيفية التعامل مع الطفل أو استشيري اختصاصي التغذية في حال تفاقم المشكلة الغذائية.
لا داعي للعلاج النفسي!
يشكّل سلوك الطفل عند تناول الطعام وسيلة للتعبير عن شخصيته. حين يرفض الأكل، فهو يختبر أهله بذلك. في حال ولادة طفل آخر، أو وقوع خلاف مع أحد رفاقه في المدرسة، أو نشوء خلافات بين الأهل، يقفل الطفل فمه كردّة فعل. فهو يعرف أنه يثير قلق من حوله بهذه الطريقة. تجنّباً لتفاقم الوضع، من الأفضل عدم إظهار قلق مبالغ فيه واستشارة الطبيب قبل الإقدام على أي خطوة.
لا يجب التسرّع في اللجوء إلى مرحلة العلاج النفسي. في هذه السن، نادراً ما يُصاب الطفل بمرض فقدان الشهية الذي لا يظهر قبل سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة. على صعيد آخر، تشير الدراسات التي أُجريت في دور الحضانة إلى أنّ الأطفال يفضّلون رفاقهم النحيفين لا السمينين. من هنا، تبرز أهمية ما يقوله الكبار على مائدة الطعام.
رأي الخبراء
هل يجب أن يقلق الأهل إذا امتنع طفلهم عن الأكل؟
قبل كل شيء، يجب مقاربة الأمور منطقياً، إذ لا يمكن أن يمتنع الطفل عن الأكل بشكلٍ كامل. يجب طرح الأسئلة المناسبة في هذا المجال: هل يحصل ذلك من وقتٍ إلى آخر أم يومياً؟ هل يأكل الطفل في المدرسة وفي حضور رفاقه؟ يجب تحديد الأمور بوضوح. يتذمّر الأهل من أنّ طفلهم لا يأكل جيّداً، لكنهم ينسون ذكر ليتر الحليب والبسكويت والوجبات الخفيفة والمشروبات الغازية التي يتناولها يومياً إلى جانب الوجبات الرئيسة! في ظل غياب أي خلل عضوي (مرض في الجهاز الهضمي، حساسية مفرطة تجاه مادة الغلوتين، وعوارض أخرى مثل النحافة المفرطة أو سلس البول) وطالما يبقى نموّه سليماً، لا داعي للقلق! لكن يجب الحذر في حال تأثّر نموّه أو ظهر خلل صحّي واضح أو رفض الطفل الأكل بشكلٍ كامل. في معظم الحالات، يعود هذا الوضع إلى خطأ في التربية، وبالتالي يمكن تصحيحه!
هل امتناع الطفل عن الأكل «خطأ» الأهل؟
بل الأصحّ هو أنّ على الأهل أن يشكّلوا قدوة بالنسبة إلى أطفالهم من خلال تحديد قواعد واضحة. لا يجيد الطفل تذوّق الطعام بالفطرة، بل يحتاج إلى الوقت والاقتناع والكثير من الحبّ. لكل طفل شهيّته الخاصة. يكون البعض حيوياً جداً، فيصرف سعرات حرارية كثيرة ويحتاج إلى كميات طعام أكبر من غيره. في المقابل، يكتفي الأطفال الهادئون بكميات أقلّ. يجب احترام شهيّة كل طفل وتجنّب إرغامه على الأكل إذا لم يشأ ذلك. في هذه السن الصغيرة، غالباً ما يتعرّف الطفل إلى مذاق الأطعمة مثل الخضار واللحوم الحمراء. في هذه الحالة، من الأفضل تحضير الطبق نفسه مرّات متكررة، خلال أيام متتالية، كي يعتاد عليه. يمكنك تحضيره بطرق مختلفة وإضافة مختلف المكوّنات التي يحبّها الطفل إلى الطبق كي يروق له. أما الأهم من ذلك كله، فهو أن يأكل الأهل إلى جانب طفلهم كي يقوم بالمثل.
ماذا لو كان رفضه قاطعاً، هل يجب إعطاؤه ما يطلبه من طعام؟
غالباً ما يطلب الطفل المعكرونة أو البسكويت. لكن يجب رفض طلبه وعدم الرضوخ فوراً. بعد سن الرابعة، يُفترض أن يبدأ الطفل بتناول ما يأكله الكبار، لكن بكميات أقل. بالتالي، ينبغي أن يكتسب العادات الغذائية السليمة منذ هذه المرحلة المبكرة. قدّمي له الطبق ثم اسحبيه من أمامه بعد قليل إذا رفض تناول الطعام. لا يجب إعطاؤه كمية مضاعفة من التحلية ولا الإصرار عليه كي يأكل، ولا ابتزازه عبر عرض الهدايا كمكافأة له إذا أكل. سرعان ما سيأكل الطفل حين يشعر بالجوع وبالكميات التي تناس

JoomShaper