لعل أهم الصعوبات التي يواجهها العمل التربوي تكمن في تعدد المؤسسات الاجتماعية المدعوة لأن تسهم فيه، ويمكن للأسرة أن تحقق غاية التربية في توحيد مجرى العمل التربوي - وبالتالي توحيد الذات التي يسير فيها هذا العمل، والذات المقصودة هنا هي الطفل، وإلا وجد نفسه وقد جرفه التيار العام بتمزقاته المختلفة. فمهمة التربية إذن هي أن تعيد له الوحدة ويتطلب ذلك إعادة الاتساق والانسجام بين مساهمات المؤسسات المختلفة. ولعل الأسرة هي الركيزة الأولى المخول لها القيام بهذا الدور، وربما يكون ذلك تفسيراً هاماً لوجود وتدعيم مفهوم “تربية الآباء”. فقد ظهر حديثاً كثير من الاتجاهات التي تهدف إلى إدخال روح التربية الحديثة إلى العائلة نفسها، وهي تعني “تربية الآباء” أي إعداد آباء المستقبل لدورهم كمربين، فتربية الأبناء إذن تكون عن طريق تربية الآباء. ويتضمن الدور التربوي للأسرة نوعاً من المسؤولية تجاه التعليم الذي يتلقاه الطفل في المدرسة. فعلى الرغم من أن المدرسة هي مؤسسة للتربية والتعليم الرسمي في المقام الأول، إلا أنه لا مجال لفاعليتها إلا بمؤازرة الأسرة وتعاونها بشكل مباشر. وفي حالة عدم توافر المستوى الثقافي لدى الكبار نجدهم يحثون الأطفال على الاجتهاد في المذاكرة وتشجيعهم على النجاح والتفوق بل وعقابهم إذا قصروا في ذلك، وتكشف البحوث التربوية عن أن آباء اليوم يقضون وقتاً أطول في مساعدة أبنائهم على استذكار الدروس عما كان يفعل الآباء في الماضي، ويرجع ذلك إلى ارتفاع المستوى الثقافي والتعليمي للآباء وزيادة أهمية التعليم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وإذا نظرنا إلى المؤثرات المرتبطة بما تقوم به الأسرة من الإشراف على الطفل ومتابعته فيما يتعلق بأداء الواجبات المدرسية في المنزل، نجد أن معطيات بعض البحوث تشير إلى أن الأم لها دور أكثر فاعلية من الأب، وفي حالات اشتراك الزوجين معاً في الإشراف على تعليم أبنائهما، فإن هذا الاشتراك يتزايد بين الأسر التي تنتمي إلى الطبقات المتوسطة، أما قيام الأخوة بالاشراف على أخوتهم الأصغر فيبدو واضحاً في الطبقات الدنيا، ربما يرجع ذلك إلى انخفاض المستوى الثقافي والوعي لدى الآباء في تلك الطبقات. ولما كانت المدرسة أكثر المؤسسات التربوية تفاعلاً مع الأسرة تؤثر فيها وتتأثر بها، فإن التعاون بين الجانبين ضرورة تربوية ولا يخفى دور المجتمع في هذه العلاقة، فأي تعليم يحصل عليه الطالب في المدرسة لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يكن هناك تعاون بين البيت والمدرسة والمجتمع، وتؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة ينبغي أن تكون ذات صفة تبادلية، فلا يعمل أحدهم بمعزل عن الآخرين، إذ إن التربية المدرسية وظيفة اجتماعية لا توجد في فراغ وإنما توجد في وسط اجتماعي وتراث ثقافي يمد المدرسة بالكثير مما يتعلمه التلاميذ، ويلعب التفاعل بين النظام المدرسي والمجتمع تأثيراً كبيراً في صحة وفاعلية السياسة التربوية.


JoomShaper