د. محمود طافش الشقيرات
تهتم التربية الحديثة ببناء وتطوير شخصية الطفل منذ أن يكون جنينا في بطن أمه وحتى مرحلة النضج الكامل. ومراحل تطور شخصية الطفل متلاحقة ومتكاملة، وتتم معظم فصولها في مرحلة الطفولة المبكرة، حيث تتعهده الأسرة بالرعاية لتجعل منه، بالتعاون مع المؤسسات التعليمية، إنسانا متزنا واثقا قادرا على التعامل مع متغيرات الحياة بصورة شاملة، فكيف يتسنى للوالدين أن ينهضا بهذه المهمة الدقيقة لتحقيق هذا الهدف السامي ؟
بادىء ذي بدء تأخذ الأم بملاحظة سلوك ابنها والحركات التي تصدر عنه، وكيفية قيامه بهذه الحركات من أجل أن تعمل على تقويمها وصقلها وتطويرها، لكنها قبل أن تفعل ذلك تدرك أن مقدرة الطفل على القيام بعمل ما تعتمد على مدى نضج جهازه العصبي؛ إذ إنه يستحيل تدريبه على القيام بأي عمل قبل ذلك.
إن العوامل الوراثية والاجتماعية والاقتصادية تلعب دورا مهما في تشكيل شخصية الطفل، وكذلك الحال بالنسبة للعديد من المؤثرات الأخرى مثل؛ صحة الأم الحامل وتغذيتها وثقافتها، والأمراض التي تتعرض لها، والأدوية التي تتناولها أثناء الحمل؛ وهي عوامل لا يمكن غض الطرف عن تأثيراتها المستقبلية. ثم تأخذ بتدريب الطفل على القيام بأعمال سهلة كالجلوس والمشي، أو بنطق كلمات بسيطة بصورة تدريجية، فإن هو لم يحصل على هذا التدريب ابتداء من سن الثانية فإن قدرته على تنفيذ هذه الأعمال قد تتأخر.
وهي تتواصل مع صغيرها بحب وحنان؛ لأن الحرمان العاطفي ينشأ عنه تأخر الطفل في تعلم المهارات الأساسية اللازمة لمن هم في مثل عمره، وهذا التأخر يلاحظ بوضوح لدى الأطفال الموضوعين في دور رعاية الأيتام، حيث لا يجد الواحد منهم من يهتم بتدريبه على الجلوس أو المشي أو الكلام؛ بسبب عدم توفرالعدد الكافي من المشرفات، وبالتالي فإنهم يكونون متأخرين في نموهم الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي عن أقرانهم، ومن هنا فقد جاء اهتمام البلدان المتقدمة بوضع الطفل اليتيم لدى أسرة بديلة بحيث يلقى اهتماما أكبر لتطوير مهاراته.
وتلعب فرص التعليم التي يحظى بها الطفل من والديه دورا مهما في تشكل شخصيته، وكلما كانت الامكانات متاحة أكثر كانت امكانية تطوير شخصيته أفضل. فإن إهمال الطفل وسوء المعاملة التي يلقاها من العوامل التي تسبب له تأخرا جسمياً وعقلياً قد يتمخض عنه شخصية ضعيفة مهتزة.
ويعد جهل بعض الأمهات وخوفهن من أن يصاب الطفل بأذى جراء محاولة تدريبه على الجلوس أو المشي عاملا مثبطا من شأنه أن يؤخر قدرته على اتقان هاتين المهارتين؛ مما قد يؤدي إلى ضعف ثقته بنفسه.
ويعتري الباحث التربوي شعور بالحزن وهو يشاهد أما تحرص على أن تطعم بيدها ابنها الذي تجاوز الرابعة بحجة أنها لا تريد أن تتسخ ملابسه وهو يأكل بيديه، وقد تقوم بإلباس طفلها الذي تجاوز السادسة ملابسه استعدادا لذهابه إلى المدرسة ليبدو بصورة جميلة، فينشأ اتكاليا غير قادر على الاعتماد على نفسه، وهي لا تدرك أهمية أن يقوم الطفل بأعماله بنفسه لينشأ معتمدا عليها واثقا بها، ولا بأس أن تقوم هي بمراقبته لمساعدته إن أخطأ، ولكن دون فرض وصاية عليه.
ومن الأهمية بمكان كذلك أن يظل جميع أفراد الأسرة قدوة صالحة للطفل الصغير في كل ما يقومون به من أعمال، وبما يتلفظون به من أقوال؛ حيث إن لديه قدرة فائقة على التقليد وعلى تخزين كل ما يسمعه أو يراه، فتتأثر الطفلة بأمها ويتأثر الطفل بأبيه سلبا أو إيجابا. ويكون التقليد مستحبا عندما يحصل الطفل منه على معلومة جديدة أو على خبرة نافعة، لكن ينبغي التنبه إلى أن تقليد الكبار في كل شيء ليس محمودا دائما؛ إذ ينبغي أن يكون للطفل رأيه وقراره وشخصيته المستقلة.
ومن المهم من أجل بناء شخصية سوية للطفل ملاحظة ما يأتي :
- عدم فرض رأينا عليه وإنما أن نحاوره ونناقشه فيما يخصه، وأعطاؤه الفرصة الكاملة ليبدي رأيه فيما نكلفه به، وذلك بصيغة الاستفهام وليس بالأمر؛ كأن نقول له : هل تحب أن ترتدي هذا اللباس، بدلا من أن نقول له : عليك أن ترتدي هذه الملابس.
- تخصيص وقت كاف للعب معه، وتشجيعه على الحديث والعمل، وعلى إبداء الرأي؛ فإن مثل هذا السلوك من شأنه ان يعزز اعتماده على نفسه ليعمل باستقلالية، وهذا مما يساعد على نموه العقلي ويدفعه إلى التصرف بإيجابية.
- وفي سبيل تنمية قدرة الطفل على التفكير السليم فإنه من المفيد إتاحة الفرصة له ليتعامل مع الصعوبات التي تواجهه والبحث عن حلول مناسبة لها، مما يدربه على حرية التفكير وعلى العمل المستقل؛ وهذا الإجراء يساعد على تنمية عقله، مع ملاحظة أن نجاح الطفل في حياته لا يتوقف على ذكائه العقلي فقط، وإنما يتطلب الأمر تنمية الذكاءات الأخرى كالذكاء العاطفي الذي يمكنه من تكوين صداقات جديدة ، والتعامل مع الآخرين باحترام ومودة، ومن فهم مشاعر الناس وانفعالاتهم، وبالتالي يكون مؤهلا للتعبير عن مشاعره والتحكم بها، فيحسن التعامل مع المواقف الطارئة مستقلا برأيه وبفهمه للأمور.
ومن أجل بناء شخصية واثقة للطفل فإن الخبراء التربويين ينصحون أولياء الأمور بـ :
- التواصل معه باستمرار ومحاورته والتحدث إليه، ومناقشته فيما يخصه.
اللعب معه.
- تدريبه على مشاركة الأطفال الآخرين بألعابهم، وتبصيره بأسس الاتفاق والاختلاف معهم.
- تدريبه على مساعدة المحتاجين والعطف على الفقراء.
- تدريبه على العمل التعاوني.
- تشجيعه على المبادرة إلى فعل الخير، واحترام الآخرين واستخدام الألفاظ المهذبة أثناء الحديث معهم مثل؛ شكرا، لطفا، من فضلك.
- تبصيره بقيم العمل البنَّاء المثمر، وبالضوابط التي تمكنه من فهم المباحات والممنوعات.
- تعويده على القراءة المفيدة الممتعة، وتوفير الكتب والمجلات التي تخدم هذا الغرض، واصطحابه إلى معارض الكتب والمكتبات العامة.
- إعطاء الطفل فرصة ليعمل باستقلالية معتمدا على نفسه في تصريف أعماله وحل مشكلاته.
- التركيز على تعليمه المهارات والقيم؛ مثل الشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار، والصورة الإيجابية عن الذات، أكثر من الاهتمام بالتلقين والحفظ.
- تبصيره بأهمية الوقت وبكيفية احترامه والمحافظة عليه.
- تدريبه على المهارات الاجتماعية التي تمكنه من التعامل مع الآخرين باحترام ونجاح.
- تدريبه على ممارسة التأمل والاختلاء بالذات، وإعادة برمجتها لتهذيب وتحسين ممارساته.
- اجتناب الألعاب السهلة على الحاسوب التي تعلمه الاتكالية، أوتطبعه بطابع الممارسات العنيفة.
وبناء على ما سبق فإن شخصية الطفل انعكاس لما يتربى عليه في مرحلة الطفولة المبكرة ، وهذه المرحلة هي التي ترسم الخطوط العريضة لما سيكون عليه في المستقبل. وكذلك فإن الصحة النفسية للطفل مصدرها الرئيس الظروف التي ينشأ فيها؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة يجد فيها الحب والحنان والثقافة والممارسات الحضارية يشعر بالسعادة والطمأنينة والرضا، فيغدو سعيدا مطمئنا واثقا؛ مما يؤهله ليمارس دوره في الحياة بتميز.
دور البيئة في تطوير شخصية الطفل
- التفاصيل