هاشم سلامة
جرت العادة في الاسرة على معاقبة الطفل عندما يتجاوز احدى قواعد الآداب العامة والخلق الكريم، والحكمة في ذلك العقاب اياً كان نوعه مادياً او ادبياً هو اعتباره وسيلة ردع، ولكن هل يمكن اعتماد هذا الاسلوب كوسيلة وحيدة للتربية؟ للاجابة على هذا التساؤل يجب تحديد مفهوم التربية باعتبارها تهدف الى تعويد الطفل على شيئين هما: الامتناع عن السلوك الخاطئ، والقيام بالسلوك الصحيح، وعلى هذا الاساس فان العقاب وسيلة يضطر الوالدان والمربون اليها لمنع السلوك الخاطئ، عندما تفشل جميع الوسائل اللينة الاخرى، في ردع الطفل عن القيام بسلوك سيء.
قد يُفلح العقاب المتزن في اداء نصف المهمة التربوية في منع الخطأ ولكن ماذا عن النصف الآخر الذي يهدف الى تحقيق الصواب؟ في الاجابة عن ذلك يقول الدكتور فريد سكينار، استاذ علم النفس في جامعة هارفارد ان للمكافأة والجائزة اثراً ساحراً في تربية الطفل، وما دمنا نستخدم العقاب كوسيلة منع وردع في كفة، فلا بد ان نضع في الكفة الاخرى من ميزان الطفل المكافأة كعامل تشجيع يغريه باتباع السلوك الطيب.
اما الدكتور سيدني بيجو مدير مختبر السلوك بجامعة الينوي فيقول ان الخطأ الذي يقع فيه الآباء والامهات ويتسبب في سوء سلوك الاطفال، هو انهم لا يلتفتون الى الطفل الا حينما يخطئ فيعاقبونه على الخطأ، ويهملون الجانب الآخر، وهو الجانب المضيء في الطفل حينما يقوم بعمل جيد، فلا يكافئونه على ذلك. فالصواب التربوي هو الموازنة العادلة بين العقاب والثواب لا بل تغليب الثواب على العقاب وذلك بالمكافآت المتكررة والسخية حتى يصبح السلوك الجيد عادة متأصلة في نفس الطفل. فعدم الالتفات للطفل في ايجابياته سيؤدي الى تماديه في سلبياته، فالطفل بطبعه يحب انتباه والديه اليه ويستجيب بشكل كبير للجائزة والاطراء والمكافآت، بهذا سيصبح اكثر التزاماً بالسلوك الجيد والأفعال الحميدة.
ويقول سيدني استناداً الى تجربته: انصح الأم بأن تتجاهل الطفل حينما يرتكب اعمالاً رديئة يقصد بها جذب انتباهها، كلما كان ذلك التجاهل ممكناً، وهذا في حد ذاته عقاب، ولكن في الجانب الآخر تكمن اهمية اكبر، وقد يبدأ الثواب بقبلة من الأم لابنها او كلمة تشجيع على العمل الجيد، ثم يتصاعد الثواب وصولاً الى المكافآت والجوائز، فنرى الطفل حينها بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن ارتكاب الاعمال الخاطئة، لأنها تحرمه من انتباه والديه اولاً وتحجب عنه الجوائز ثانياً.
ويقول المختصون ان اسلوب الاطراء كوسيلة تربوية قد اثبت جدواه في التربية، فالاطراء على الطفل كلما اتقن عملاً جيداً هو افضل وسائل غرس المهارات وتنميتها، وتنمية قيم الخير، وان للاطراء فعلاً ساحراً يحرك طاقة الطفل وينشط تفكيره ليفوز بمزيد من هذا الاطراء عن طريق القيام بمزيد من الاعمال الحسنة.
ويعزو الخبراء ذلك الى غريزة تحقيق الذات، فهي من اهم الغرائز التي تحرك الانسان ليحتل مكانة في المجتمع، وهذه الغريزة تولد مع الطفل وتتحكم في جانب كبير من جوانب نشاطه وحركته. وهذه الغريزة تقوى وتتطور، والاطراء والثناء هما من الاقوى تأثيراً وتنشيطاً لهذه الغريزة، وليس ادل على ذلك من النياشين والاوسمة والدروع التي تمنح للناس في مختلف المجالات لتشجيعهم على استمرار الابداع.
ولكن، من جانب آخر، فان الاطفال ليسوا جميعاً متشابهين، فهنالك من تُفسد المكافأة نفسياتهم فينشأوا مدللين، وقد يزرع الاطراء في نفوسهم الغرور والاتكالية، وهنا يجب على مانح المكافأة والثواب ان يراقب نتائج ثوابه على طفله، ليكتشف اياً من الصنفين هو؟ فيتصرف معه وفق استجابته للثناء والاطراء حتى يحصل الأب على افضل النتائج بطفل يجعل الثواب منه طفلاً منتجاً، ومستجيباً جيداً للجائزة، وطفلاً متطوراً نحو الابداع، ومتطلعاً نحو المزيد من اثبات الذات.
اثر المكافأة في حياة الطفل
- التفاصيل