يتزايد يوماً بعد يوم إدراك الأطباء، وعلماء النفس والاجتماع، والمتخصصين في التعليم والتنشئة، لأهمية اللعب في رفع مستوى ذكاء الطفل، وفي تنمية قدراته الاجتماعية العاطفية، وفي بلوغه مستويات متقدمة على الصعيد الأكاديمي. فعلى عكس النظرة الخاطئة لدى كثيرين بأن اللعب هو مجرد مضيعة للوقت، ينظر الخبراء للعب على أنه سلوك ترفيهي يعتمد على ممارسه التفاعل البدني والذهني مع العالم الخارجي، ويؤدي لتحقيق الكثير من الفوائد على صعيد النمو البدني والتطور الذهني والاجتماعي. أما أنواع اللعب، فيمكن تبسيطها إلى ثلاثة أنواع رئيسية: اللعب البدني (physical play) مثل ممارسة الرياضة أو ركوب الدراجات أو الجري والمرح، الذي يطلق عليه البعض اللعب الحقيقي (true play)، واللعب الذهني (mental play) كألعاب الشطرنج والورق والألغاز، واللعب الإلكتروني (electronic play) مثل ألعاب الفيديو وألعاب الكمبيوتر ومشاهدة التلفزيون، وقد أصبح يطلق عليه أيضاً لعب الشاشات (screen play). ومن الواضح أن اللعب الإلكتروني يحمل في طياته نوعاً من اللعب الذهني، وهو ما ينطبق أيضًا على كثير من الألعاب البدنية التي تتطلب تفكيراً وتنسيقاً ذهنيّاً، مثل كرة القدم أو كرة السلة. ويمكن تقسيم اللعب كذلك إلى لعب انفرادي، يمارسه الشخص بمفرده، كألعاب الكمبيوتر وألعاب الفيديو، أو لعب اجتماعي يتطلب مشاركة لاعبين أو أكثر.

ويمكن تلخيص فوائد اللعب في الآتي: 1- زيادة ذكاء الطفل. 2- تنمية القدرات والمهارات الاجتماعية. 3- تنمية قوة الإرادة وزيادة التحكم في السلوك الاندفاعي. 4- خفض درجة التوتر. 5- تطوير القدرة على التركيز والانتباه وتحسين قوة الذاكرة. 6- تنمية القدرات البدنية والمهارات العضلية. 7- مساعدة الطفل على فهم كيفية عمل الأشياء المحيطة به. 8- تطوير المهارات الحسابية والتفكير المنطقي. 9- تطوير المهارات اللغوية وزيادة حجم المفردات. 10- تنمية القدرة على إظهار المشاعر، وعلى فهم أفكار ومشاعر الآخرين.

وغني عن الذكر هنا أن فائدة واحدة من الفوائد السابقة كافية لإظهار مدى الأهمية الفائقة للوقت الذي يقضيه الأطفال في اللعب. فعلى صعيد زيادة الذكاء نجد أن الطفل الذي يلعب مثلًا بقطارات سكة حديدية مصغرة لا يتعلم فقط كيفية عمل القطارات، وكيفية تنظيم السكك الحديدية، ومعنى الجاذبية الأرضية، بل أيضاً كيفية ترتيب الأشياء بشكل منطقي، وكيفية توافق الأجسام والأرقام والأحجام مع بعضها بعضاً.

وعلى صعيد تنمية المهارات الاجتماعية نجد أن اللعب وخصوصاً الجماعي يعلم الطفل التعاون والتكاتف مع الآخرين، واتباع التعليمات، والالتزام بالدور. فمن خلال تعلم قواعد التفاعل مع الآخرين يدرك الطفل ديناميكيات العلاقات البشرية والاجتماعية، وكيفية الانخراط والعمل ضمن فريق أو مجموعة. ويكتسي اللعب البدني أهمية خاصة في نمو الأعضاء مثل العضلات والعظام وحتى القلب والرئتين، بالإضافة إلى تنمية التوافق العضلي البصري، وبقية المهارات الحركية، وخصوصاً الدقيقة منها. ويعتبر اللعب البدني أيضاً من أهم طرق الوقاية من السمنة لدى الأطفال، وخاصة في ظل الإحصائيات التي تشير إلى أن أكثر من اثنين وعشرين مليون طفل مصابون بالسمنة حول العالم، وهو عدد يتزايد بشكل مطرد، خصوصاً في الدول الصناعية والدول الغنية. ففي بريطانيا مثلاً تضاعفت نسبة الأطفال المصابين بالسمنة منذ عام 1982، لتصل إلى واحد من كل عشرة أطفال حاليّاً. وفي الولايات المتحدة تزايدت السمنة بين الأطفال بمقدار ثلاثة أضعاف ما بين عامي 1980 و2002، حيث يعاني حاليّاً أكثر من 17 في المئة من الأطفال والمراهقين الأميركيين من زيادة الوزن.

ومثل الدول الأخرى الغنية تعاني دول الخليج العربي من مشكلة السمنة بين الأطفال، حيث كشفت مؤخراً إحدى الدراسات أن معدلات البدانة وزيادة الوزن في ارتفاع مستمر بين طلبة المدارس في دولة الإمارات، بينما أظهرت دراسة نشرت بداية الأسبوع الجاري وأعدتها هيئة الصحة في أبوظبي، أن نحو 30 في المئة من طلاب المدارس في الإمارة يعانون من زيادة الوزن والسمنة. ولا تقتصر فائدة اللعب في مكافحة السمنة على سنوات الطفولة فقط، بل تمتد أيضاً إلى سنوات المراهقة، وبقية مراحل الحياة. فالطفل الذي نشأ على ممارسة النشاط البدني كجزء من اللهو والمرح غالباً ما تنغرس في نفسيته وتركيبته الشخصية ممارسة النشاط البدني، وحب الرياضة، كجزء لا يتجزأ من الترفيه والترويح عن النفس. وعلى رغم أن اللعب الإلكتروني، أو الترفيه عبر الشاشات بأشكاله المختلفة، قد يحقق بعض فوائد اللعب الأخرى، إلا أن الأكيد هو أنه لا يحقق أيّاً من الفوائد البدنية المتضمنة في اللعب البدني، بل ربما يكون ضارّاً صحيّاً من هذه الناحية، كون الساعات التي تقضى أمام شاشات الكمبيوتر أو التلفزيون، هي عمليّاً ساعات من الراحة والكسل البدني.

وأمام هذه الفوائد لوقت اللعب، ومضار عدم اللعب، يتعين على الآباء التخلي عن الفكرة الخاطئة التي مؤداها أن اللعب هو مضيعة لوقت كان يجب أن يقضى في التحصيل الدراسي، بل عليهم التأكد من تنظيم وقت الطفل يوميّاً وأسبوعيّاً، بشكل يتيح له قضاء وقت كافٍ في اللعب، سواء من خلال ألعاب ذهنية يشارك فيها بقية أفراد الأسرة وخصوصاً الأبوين، أو من خلال ألعاب جماعية أو بدنية يشارك فيها بقية الإخوة والأصدقاء، وحبذا لو كانت في أماكن مفتوحة، تتيح لهم تنمية قدراتهم العضلية والحركية، وتسمح لأعضائهم الداخلية بالنمو بالشكل الكامل والسليم.

JoomShaper