الدستور
إن مرحلة الطفولة مرحلة مهمة جداً في بناء شخصية الابن، ورغم أن الآباء يهتمون بتكوين الأسرة واختيار الزوجة إلا أنهم لا يهتمون بأسلوب تربية الأبناء، إنما يستخدمون ما تيسر من أساليب التربية وما بقي في ذاكرتهم من أساليب الآباء، رغم أنها قد لا تكون مناسبة، بل إن بعض الآباء يهمل تربية ابنه بحجة أنه صغير وأنه مشغول بكسب رزقه أو قيامه ببعض الأعمال المهمة. فإذا أفاق أحدهم إلى أبنائه.. سيكتشف ان الأبناء تعودوا عادات سيئة وألفوا سلوكاً لا يليق، وهنا يصعب توجيههم وتعديل سلوكهم.
إن مسؤولية تربية الأبناء مسؤولية عظيمة، يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث: «الرجل راع ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية ومسؤولة في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، (رواه البخاري ومسلم). إن الآباء الذين أهملوا تربية أبنائهم في الصغر واستخدموا أساليب غير مناسبة فرطوا في أغلى ثروة يملكونها، وماذا تنفع المادة بعد ضياع الأبناء؟! وما يفيد السهر مع الأصدقاء والأب سيتجرع الألم حينما يُصدم بعقوق ابنه وانحراف سلوكه؟!
ويتحرك الآباء لإصلاح سلوك أبنائهم متأخرا، لكن هيهات.. لقد قسا عوده وتعوّد الإهمال وممارسة ألوان السلوك السيء.
أما الآباء الذين أحسنوا تربية أبنائهم فسيجنون ثماراً يانعة من صلاح أبنائهم واستقامتهم مما يسعدهم في الدنيا والآخرة. يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، (رواه مسلم).
خصائص النمو لدى الأبناء في مرحلة الطفولة وفنيات التعامل معها:
أ ـ الخصائص الجسمانية:
يصبح النمو الجسمي للأطفال في هذه المرحلة سريعاً، بخاصة من ناحية الطول، وتصل عضلاته إلى مستوى مناسب من النضج، مما يعينه على ممارسة الحركات الكلية، مثل: الجري والقفز والتسلق، أما عضلاته الصغيرة والدقيقة فإنها تنمو بشكل أقل في هذه المرحلة المبكرة، لذا فإنه ينبغي ملاحظة ما يأتي:
1ـ قد يبدو من الأبناء في هذه المرحلة: التململ، وعدم الاستقرار، والضوضاء في أثناء جلوسهم فترة طويلة على وتيرة واحدة في البيت أو الفصل، وهذا يلاحظ بشكل واضح لدى طلاب الصف الأول الاساسي.
2ـ لا يزال التآزر الحركي الدقيق في بدايته؛ لذا فإنه يحسن التدرج في تعليمهم الكتابة، حتى لا ينمو لديهم اتجاه سلبي تجاه الكتابة والمدرسة بشكل عام.
3ـ يجد بعض الطلاب صعوبة في تركيز النظر على الحروف الصغيرة والأشياء الدقيق.
4ـ لابد من الاعتناء بأمر الطفل بأداء الصلاة، نظراً لقدرته الجسمية على ذلك، وللتوجيه النبوي الشريف «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم وهم أبناء عشر..»، ولما لذلك من أثر على سلوكه مستقبلاً.
ب ـ الخصائص العقلية:
يطّرد النمو العقلي، ويستطيع الطفل في هذه المرحلة إدراك العلاقة عقلياً بعيداً عن التجريد، وتزداد قدرته على الفهم والتعلم وتركيز الانتباه، وتكثر لدى الأبناء الأسئلة؛ لذا يلاحظ ما يأتي:
1ـ أن الأبناء في هذه المرحلة شغوفون بالسؤال، ومعرفة الأشياء التي تثير انتباههم؛ لذا فاستغلال هذه الفترة وتقديم المعلومات بأسلوب شيق وسهل يساعدهم على تحقيق الفائدة المرجوة.
2ـ يحرص الأبناء على التسميع والإجابة أمام الأب والأم والمعلم، سواء أكان الجواب صحيحاً أو خاطئاً، وهنا يبرز دورنا في ضبط النقاش وإدارته بحيث يتحدث كل ابن في دوره، مع تشجيع الأبناء على الإجابة الصحيحة وعلى النقاش والتفكير والتأمل.
ج ـ الخصائص الانفعالية:
ينمو السلوك الانفعالي، ويتميز بالتنوع، مثل: الغضب والخوف والحنان والغيرة، ولكنه غالباً لا يدوم على وتيرة واحدة لفترة طويلة، وهنا ينبغي التنبه إلى أن الأبناء في هذه المرحلة بحاجة إلى الثناء والتشجيع، سواء بالألفاظ أو من خلال الجوائز العينية الرمزية التي لها أثر كبير في نفوس الأبناء.
د ـ الخصائص الاجتماعية:
تبرز الحياة الاجتماعية لدى الأطفال في هذه المرحلة من خلال جماعة الأصدقاء، حيث يميل الطفل إلى اللعب مع أقرانه في المنزل والمدرسة، ويسودها التعاون والمنافسة وممارسة الأدوار القيادية، ومن ثم فإنه ينبغي أن نعمل على أن تكون المنافسة بين الأطفال بريئة بعيدة عن الغيرة والحسد، وأن يُشجع الطفل على تكوين شخصية قوية من خلال الألعاب المفيدة وممارسة الأدوار الاجتماعية الناجحة.
ويتأرجح الطفل في هذه المرحلة بين الميل للاستقلال الاجتماعي وبقايا الاعتماد على الآخرين، وبشكل عام فإنه يزداد وعي الطفل بالبيئة الاجتماعية ونمو الألفة والمشاركة الاجتماعية؛ لذا ينبغي مراعاة ما يأتي:
1ـ يهتم الأطفال بالألعاب الجماعية المنظمة؛ لذا يحسن توفير الألعاب المفيدة، وإعطاء الطفل الفرصة للعب؛ لتحقيق الثقة بالنفس والنجاح.
2ـ تكثر المشاحنات بين أبناء هذه المرحلة، وهنا يأتي دور المربي في حسن حلها، ومعرفة من تكثر لديه المخاصمات وأسبابها؛ لإعارته الاهتمام المناسب.
3ـ يستعمل بعض الأطفال كلمات غير لائقة، كما يميل بعض الأطفال إلى النميمة، ويصدر ذلك لأسباب، منها لفت النظر إليهم؛ لذا يبرز دور المربي في تعليم الأطفال أحسن الألفاظ والآداب.
4ـ إن هذه المرحلة تتصف بالتنافس بين الأطفال، ودور المربي هو استثمار هذا التنافس ليكون حافزاً لحفظ كتاب الله تعالى وللتعليم دون أن يترك آثاراً سالبة.
5ـ في هذه المرحلة تبرز فطرة التدين، فيحاكي الطفل والديه في الصلاة وتلاوة القرآن وحفظ بعض الآيات والأذكار، وتبرز جوانب الخير في نفس الطفل؛ لذا ينبغي للمربي أن يرعى هذه الفطرة وينميها بالمعلومات الصحيحة المناسبة والقدوة الحسنة.
توجيهات للتعامل مع الأبناء:
هذه بعض التوجيهات التربوية حول تربية الأبناء الأطفال، انتقيتها من كتب التربية وعلم النفس ومن تجارب الحياة، وهي ما يأتي:
أولاً: تبدأ تتحدد شخصية الابن أو البنت من السنة الثانية؛ لذا لابد أن نبدأ معه بترسيخ العقيدة، وحب الله، والآداب الإسلامية، والصدق، والتقدير، بالرفق والأسلوب الحسن. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه»، (رواه مسلم). وعنها- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم).
وقد أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المجال أن لأساليب التربية الخاطئة ـ مثل القوة والتدليل ـ آثارا سلبية على تربية الأبناء وسلوكهم.
ثانياً: زرع المحبة والعطف:
يحتاج الطفل أن يكون محل محبة الآخرين وعطفهم، ويتغذى عاطفياً من خلال ما يجد من أمه وأبيه وذويه، كما يتغذى جسدياً بالطعام الذي ينمي جسده ويبعث فيه دفء الحياة، وقد وجه شرعنا المطهر إلى ذلك، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قبّل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وعنده الأقرع بن حابس فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «من لا يرحم لا يُرحم»، (متفق عليه).
فن التعامل مع الأبناء في مرحلة الطفولة
- التفاصيل