الحياة
لا تتوقف نجلاء عن مدح ابنها باسم البالغ أربع سنوات. كلما قام بعمل ما صفّقت له وقالت «برافو». ماذا يساوي اثنان زائد ثلاثة؟ يجيبها: خمسة. فتقفز من مقعدها تُقبّله وتقول له كم هو ذكي لكونه استطاع جمع الاثنين مع الثلاثة وجاء بالجواب الصحيح. في الحقيقة، لا تتوقف أم باسم عن كيل المديح لإبنها الصغير كلما تصرّف تصرفاً تعتبره بمثابة «إنجاز» لطفل ما زال في سنه، كرسمه الألوان ضمن خط محدد لا يخرج عنه، أو ذهابه إلى الحمام وحده، أو تركيبه جملة صحيحة، أو حله مسألة حسابية بسيطة. إنه في رأيها «اينشتاين عصره» وبالتالي يستحق الإشادة به بهدف تشجيعه أكثر على محاولة تقديم المزيد.
ليس في تصرف نجلاء مع باسم مدعاة للغرابة. فقد درجت العادة على أن تربية الأطفال تتطلب تشجيعهم والإشادة بهم كي تنمو ثقتهم بأنفسهم ويرغبوا في تقديم المزيد، لكونهم يعلمون أن تصرفهم الجيّد سيلقى إشادة من أهلهم، أو أساتذتهم في المدرسة.

لكن دراسات جديدة نُشرت حديثاً تُلقي شكوكاً حول نجاعة مثل هذا النوع من تربية الأطفال، أو ما يُعرف بالمدرسة التقليدية في التربية. إذ وجدت دراسات أن الإشادة المتكررة بالطفل تأتي بنتيجة معاكسة لما يريده الأهل، خصوصاً عندما تصدر الإشادة لقاء عمل عادي يُفترض أن يقوم به الطفل كأن يُنهي الطعام في صحنه أو يعرف كيف يركب دراجة هوائية من دون أن يسقط أو يعرف السباحة بعد أن تم تعليمه كيف يركب الدراجة وكيف يسبح.

وتعتبر هذه الدراسات أن الإكثار من الإشادة بمثل هذه التصرفات للأطفال، سواء من الأهل أم أساتذة المدرسة، يجعل منها بمثابة كلام بلا معنى، أو «كالماء على ظهر بطة» – سرعان ما يسقط ويكون بلا قيمة. بل أن ثمة من يعتبر أن الإكثار من المديح يأتي بنتيجة عكسية تؤدي إلى عدم تشجيع الطفل بدل أن تؤدي إلى تشجيعه.

وحتى الآن كانت المدرسة المعتمدة عالمياً ترى أن الإشادة بالطفل تشجعه على التفاعل إيجاباً مع الأهل والاساتذة وبالتالي تدفعه إلى التقدم أكثر في الدراسة وفي بناء شخصية قوية. وعلى رغم أن هذه الوسيلة في التربية لها منافعها بالتأكيد، فإنها كأي وسيلة أخرى قد تفقد قيمتها وتصبح بلا فاعلية إذا ما تم الإكثار من استخدامها. وهكذا فإن طفلاً لا يسمع من أمه أو أستاذه سوى كلمة «برافو» أو «عمل رائع» كلما قام بعمل ما، سيجد من الصعب عندما يكبر في العمر أن يعرف ما هو «العمل الرائع» حقاً، لأن كل ما قام به حتى الآن في حياته كان بمثابة «عمل رائع» في نظر أمه وأبيه، وربما أساتذته. وهكذا، فإن من الواضح أن الطفل يحتاج إلى أن يُقال له إن العمل الذي قام به لم يكن في الحقيقة جيداً، بل يتطلب منه جهداً أكبر كي يكون أفضل.

ويمكن بسهولة ملاحظة ما إذا كان الطفل قد بات «مدمناً» على سماع الإشادة به من أهله، إذ أنه يتوقف في منتصف فرضه، مثلاً، ليسأل أمه أو أباه «هل هذا الجواب جيد، ماما؟» أو «هل ما قمت به صحيح، أبي؟»، وهو الأمر الذي يعني أن هذا الطفل قد بات معتاداً على سماع الإشادة بما يقوم به بحيث لا يمكنه التقدم أبعد سوى بعد التأكد من رضا أهله عنه.

لذلك فإن المدرسة الجديدة في تربية الأطفال تدعو إلى الحد من الإشادات بالأطفال، وليس وقفها كلياً. إذ أن المطلوب أن تكون الإشادة محددة بعمل ما وليست مطلقة شاملة لكل ما يقوم به الطفل. كما أن الأهل يُنصحون بأن تكون إشادتهم صادقة ونابعة من القلب وليست مجرد كلام، لأن الطفل في حدود السابعة من عمره يبدأ في التمييز بين الإشادة العابرة التي تصدر وتكون بلا معنى وبين الإشادة الصادقة التي يعنيها أهلهم. ولعل الخلاصة الأهم في تربية الأطفال، بحسب المدرسة الجديدة، تقول إن الأطفال يجب أن يتم «تشجيعهم» قبل الإشادة بهم. فالتشجيع، مثلاً، يأخذ في الاعتبار مشاركة الطفل في لعبة ما، بينما الإشادة تصدر في حال فاز الطفل باللعبة أو قام بأداء جيد فيها.

 

JoomShaper