بقلم د.أحمد داود شحروري
رمضان شهر التربية، وإن لم يترب المرء في ظلال رمضان فمتى؟ رمضان شهر الروحاينة والربانية، شهر القرآن والتطبيق العملي لآداب الإسلام كلها، لأن من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، والتربية هي التنشئة كما نفهم من كلام أصحاب المعاجم .
في رمضان منطلق التنشئة الصالحة على العبادة صلاة وصياما وزكاة وحسن خلق وبر والدين، هذا هو رمضان. رمضان منطلق الخيرات كلها ومنطلق أصول التربية كلها، والله عز وجل امتن على سيدنا موسى في كتابه العزيز فقال له (ولتصنع على عيني) تدبّرهذا التعبير القرآني الدقيق» ولتصنع على عيني»، الله هو الصانع ، ولذلك فكل مراحل حياة موسى منذ أن حملت به أمه إلى أن ألقته في اليم إلى أن استنقذه فرعون فتربى في بيته، كلها تنشئة إلهية ربانية بحتة، الله هو الذي نشأه والله هو الذي رباه والله هو الذي يمتن عليه بذلك .
وُلد نبينا صلى الله عليه وسلم يتيما قد مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ما لبث أن ماتت أمه وهو في السادسة من عمره، فربي صلى الله عليه وسلم بكفالة ربه، ولعل من أهم الحكم التي نستقيها من ولادته يتيما ومن تنشئته يتيما ألا يكون فضل لأحد في تنشئة هذا النبي العظيم إلا ربه، هو صاحب التنشئة وصاحب الفضل وصاحب البركة وصاحب الخيرية التي ولدت في محمد صلى الله عليه وسلم ونشأت فيه صلى الله عليه وسلم .
المولود- أي مولود- في أصله مؤمن، المولود في أصله على فطرة الله عز وجل «فطرة الله التي فطر الناس عليها»، التي ثبتت فينا يوم أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، فما الذي يغير ذلك؟ ما الذي يجعل النصراني نصرانيًا؟ واليهودي يهوديًا؟ والمجوسي مجوسيًا؟ إنها التربية.

التنشئة أيها الأحبة خطيرة خطورة عظيمة، ولذلك يلفتنا الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة إحسان التربية والتنشئة ويجعلها رعاية، « كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالأب في بيته راع ومسئول عن رعيته، والزوجة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها»، الأب يربي وينشئ الأولاد، ويربي الزوجة، والزوجة تصحح مسيرة الزوج وتقوي من مسيرة الأولاد، إنها التنشئة التي جعلها رب العزة والجلال وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم أمانة في أعناق المسؤولين، كل بحسب مسؤوليته، فالحاكم مسئول عن تربية أمته، والوالد مسؤول عن تربية بيته، ومدير المدرسة مسؤول عن تربية تلاميذه وسلوك زملائه ، وهكذا تكبر المهمة بكبر حجمها وكبر المسؤولية فيها،لذلك نجد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان يدركون خطورة التربية، فهذا هو عمر بن الخطاب يربي عبد الله بن عمر، وهذا هو العباس يربي ابنه عبد الله، وهكذا، تحضرني قصة عمر وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة عن الشجرة التي تشبه الإنسان، فسكت الصحابة ولم يجيبوا فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنها النخلة، ولما انفض مجلسه صلى الله عليه وسلم فإذا بعبد الله بن عمر الفتى الصغير في ذلك الوقت يقول لأبيه والله يا أبت لقد كنت أعلم أنها النخلة ولكني خجلت في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وحضرة كبار الصحابة، فيقول عمر : لو قلتها لكانت عندي خيرًا من كذا ومن كذا .. يربي ولده على الجرأة في التعبير عن العلم، يربي ولده على الجرأة في الفهم وفي استحضار هذا الفهم، في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي حضرة غيره من كبار الصحابة.

إذا انطلقنا إلى التابعين فهذا هو عبد الله بن المبارك يقول لولد من أولاده : والله يا بني إني لأتقي الله من أجلك . والله إنه لكلام تقشعر منه الأبدان... إني لأتقي الله من أجلك، تربية .. يراقب الله لكي يربي ولده تربية بالقدوة حتى يشاهده ولده فيفعل كما يفعل أبوه، ويراقب الله فيتقيه لكي تكون نتيجة التقوى بركة في تربية هذا الولد وتنشئة هذا الولد وروح هذا الولد، هكذا فهم صحابة رسول الله والتابعون لهم بإحسان بركة التربية على خط الله وخط رسوله صلى الله عليه وسلم .

وهذا عمر أراد أن يربي المسلمين جميعا، يقف وقد بايعه الصحابة وفي خطبة البيعة يقول: إذا رأيتم مني إعوجاجا فقوموني، فيقوم أحد الصحابة فيقول: والله يا أمير المؤمنين لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا، يريد عمر أن يربي الأمة، فبماذا يجيب؟ يقول له ولمن حوله: الحمد لله الذي جعل في أمة الإسلام من يقوّم إعوجاج عمر بحد سيفه، يعلمهم كيف تكون التربية حتى في جنب خليفة المسلمين، لأن الحق هو الأصل، ولأن الرجال يعرفون بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال، فالرجال تبع للحق وليس العكس، هذه هي التربية الإيمانية التي أراد الربانيون أن يزرعوها في نفوس العامة والخاصة، مسئولين وغير مسئولين .. هذه التربية التي تجعل محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب ويعلنها صريحة حين يتشفع الصحابي الجليل أسامة الحب ابن الحب للمخزومية التي سرقت : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها « هذه هي التربية ، ليس أحد بمنآى عن عقاب الله وإن كانت فاطمة إن فعلت ما يوجب ذلك وحاشاها أن تفعل، فهي فاطمة الطاهرة البتول بنت المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه ، ورضي الله عن فاطمة، هكذا تكون القدوة !

كيف تكون التربية الناجحة؟ ما أدوات هذه التربية؟ أولا ونحن في شهر رمضان شهر الصبر، فإن التربية تكون بتصبير النفس على الطاعة، وتصبير النفس عن المعصية ، وبغير ذلك لا يمكن أن تنضبط هذه النفس، تدبّر قصة الخضر الرجل الصالح مع سيدنا موسى، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا .. أراد أن يصبره ويعلمه الصبر فكان ما كان من قصة موسى مع الخضر.

من أهم وسائل التربية وأساليبها المهمة التكرار، كان رسولكم صلى الله عليه وسلم يكرر الحديث على مسامع الصحابة ثلاث مرات، هذا ما حدثنا به صحابة رسول الله، والتكرار أسلوب من أساليب التربية ليحفظ الإنسان وليتشرب ما يريده المربي تشربا، رسولكم سبق ديجول صانع فرنسا الحديثة الذي سُئل كيف نهضت بفرنسا من خسارة في الحرب العالمية إلى أن أصبحت في مقدمة الدول الديموقراطية والمتقدمة؟ قال ديجول: كنت إذا أردت من الجيش شيئًا أعدته على مسامعهم حتى أصبح فيهم سجية، رسولكم سبق هذا، بل إن ديجول أخذ من مشكاة النبوة في هذه الجزئية ولم يأت بجديد.

كذلك تخير الوقت المناسب في التربية، حين يكون ولدك راجعا من المدرسة وقد أساء في أداء الامتحان لظرف من الظروف، فإن زجره وأمره وتوجيهه في هذا الوقت غير مجد ، ألم يخبرنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولهم في الموعظة، أي كان يختار الوقت المناسب لاستقبال قلوبهم .. صلى الله على سيدنا رسول الله.

ولا بد أن نختم بأهمية مخاطبة الناس بما يفهمون لكي تثمر التربية سلوكا إيجابيا، فإن مخاطبة الناس بغير ما يفهمون تضع المستهدف بالتربية موضع الحائر أو المستهزئ وكلاهما يفضيان إلى ضياع الوقت والجهد، وما أجمل هدي المصطفى في ذلك: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»

رمضان منطلق ثمين لتربية روحية سامية وتربية سلوكية راقية إذا صحت النية ، نسأله سبحانه أن يوفقنا لذلك ويجعلنا من فرسانه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

JoomShaper