د. كميل موسى فرام -
التعليم مهنة مقدسة تتجاوز بحدودها وتأثيراتها سقف العطاء المتوقع للقائمين عليها، لأن الجهد الذي يصرف برونق الأداء ينعكس على سلوكيات الكل منا، حيث مرحلة الحياة الأولى برحلة العمر تبدأ بالمدرسة التي تعلم الحرف والكلمة وأسس الربط بينهما لتصنع فصول الحياة بصورها المختلفة، فالتعليم مهنة حساسة بدور ريادي وتحتاج لمهارات شخصية وأدائية لتكون النتائج مقدرة بالتوازي مع الجهد المبذول.
أصبحت سنوات الروضة تحتل المحطة الدراسية الأولى بحياة الفرد لتكون مؤشراً للمستقبل بسبب عفوية الأداء، بمرحلة تشكيل الهيكل الشخصي لمستقبل الطفل، فأصبح امتهان التدريس بهذه المرحلة العمرية بحاجة لتوفير مواصفات إضافية لشخصية وسلوكية المعلمة التي ستحمل قبطان السفينة العمرية الأولى بمغامرة تنقل الطفل لحدود المستقبل فتساعد على ترجمة شيفرته الجينية وترتيب أولوياتها بما ينسجم ومؤهلات الطفل الخلقية.
يحتاج التدريس برياض الأطفال لقدر مضاعف من مؤهلات النجاح المهني الذي تتقاطع مفاصله التربوية مع مفاصل الأمومة، فإنتقال الطفل من بيئته المنزلية - والتي تمثل مملكته الممتدة - للبيئة المدرسية الجديدة - حيث يكون فردا من الجماعة – يحتاج لجهد الأم الجديدة التي ستحتضنه بدفء يحتاج اليه، لتجد المعلمة بالروضة بأنها قد أصبحت أما لعدد من الأطفال ذوي الخلفيات الاجتماعية والعائلية المتباينة، وهي ملزمة بحكم الأخلاق أن توزع جهدها بالعدل بين أعضاء العائلة الجدد، خصوصا أن للطفولة أسرار ومواقف تخلط مفاهيم السلوك كالغيرة وحب الذات وحب التملك والأنانية والبراءة والخيال وغيرها.
معلمة الروضة مطالبة بتوفير الجو المناسب للطفل من خلال قدرتها على تنمية روح العمل الجماعي للأطفال، فوجود أطفال آخرين معه له فوائد عديدة منها تعلمه الأخذ والعطاء، بحيث تتكون لديه عادة التعاون مع الآخرين مما يساعد الطفل على النمو والنضج، كما أن التخطيط المسبق للبرامج التعليمية ستساعد الطفل/ الأطفال على النمو وتزيد من قوة التركيز لديهم والقدرة على الملاحظة وتكوين العلاقات بين الأشياء بالإضافة إلى تنمية الخيال الذي يحتل مساحة زمنية بتلك الفترة العمرية، والمعلمة الناجحة تمتلك بُعدا تربويا بتوقع الأحداث، يساعدها على تحضير الأنشطة المناسبة وفق معايير تربوية ونفسية واجتماعية إذ إن لكل سن أدواته وألعابه التي تتناسب مع ميول واستعدادات وقدرات الأطفال.
مواصفات معلمة الروضة هي مواصفات متكاملة تمنع الجزئيات، ولا يمكن لأي من صفاتها التعويض أو التعديل، فمهارة توجيه الأسئلة المفتوحة المثيرة للتفكير التي تساعد الأطفال بالوصول للحلول عن طريق الملاحظة والمشاهدة والتجريب والوصول إلى النتائج – مع احترام طرق التفكير- يمثل المقدمة الصحيحة لنسج الأحداث العمرية بالفترات التالية، كما أن وضع الأنشطة التي تناسب أعمال الأطفال الزمنية من خلال البرامج التعليمية والتربوية حتى لا تدفعهم إلى الضجر والملل الذي يؤدي إلى مرحلة المشكلات السلوكية، واقع يفرض أبجدية الملاحظة والمتابعة لتوفير فترة زمنية مناسبة لأنشطة للأطفال لتفريغ جزء من جهدهم وطاقتهم مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعضها يناسب أطفالاً دون آخرين، فرصة للبرهان بدقة المتابعة حيث تلاحظ المعلمة شخصية الأطفال ونوعية اهتماماتهم، التشجيع والتوجيه والإرشاد وتصميم المواقف المناسبة التي تحث الطفل على اكتشاف المعلومات وإدراك ما تم اكتشافه، الرد على استفسارات الأطفال وتساؤلاتهم بطريقة تربوية مقنعة، والتجنب المطلق للسخرية أو التأنيب حتى للأفكار الجهنمية وضروب الخيال.
تمتلك معلمات الروضة أسلحة العطاء الفتاكة كالروعة، والاستقلالية، والتعاون، والصبر، وضبط النفس مع أطفالنا الذين لا نعرف كيف نتعامل معهم أحياناً، تجارب تراكمت على دفاتر الأيام فمكنت المعلمات من تطوير ترسانةَ من وسائلِ التعامل مع الأطفال وفقا لشخصية كل طفل. بالإضافة إلى ذلك، فهن لا يملكن الشعور بالذنب الذي تملكه الأمهات عند فرض القوانين، حيث الفرصة والبداية الصحيحة لفرض النظام واحترام القوانين التي يجب أن تنظم سلوك الفرد منذ طفولته.
المعلمة المتميزة تستطيع خلق جو بيئي متناسق بين سكان الغرفة الصفية، فتوجيه الأسئلة المفتوحة المثيرة للتفكير التي تساعد الأطفال على الوصول إلى الحل عن طريق الملاحظة والمشاهدة والتجريب والوصول إلى النتائج، موقف يفرض تصفيقا وتشجيعا وربما مكافأة تمنحه وأقرانه جرعة من المنافسة، على أن تتمع المعلمة المتميزة بذكائها الفطري بقدر يسمح لها بحقيقة التعدد للأنشطة المنهجية واللامنهجية، حيث إن بعضها يناسب أطفالاً دون آخرين، موقف يساعدها كي تلاحظ شخصية الأطفال ونوعية اهتماماتهم، فتعطيهم فرصة الانطلاق بأعمال تناسب أدائهم العمري.
تعتبر معلمة الروضة ركن البناء الأساسي بأركان العملية التعليمية لأن وظيفتها غير مقصورة على التعليم ودلق المعلومات بصورة تلقينية، بل هي مربية بالدرجة الأولى، ولا يتوقف تأثيرها في الأطفال على مهاراتها الفنية واتقانها للمواد العلمية فقط، وإنما على اتجاهاتها ومعتقداتها التي تنعكس على الأطفال الذين يعتبرونها القدوة والمثل الأعلى. يجب أن تتميز بخفة الحركة وألا تعاني من أمراض قد تعوقها عن القيام بعملها على أكمل وجه، فشعور المعلمة بالتعب المستمر قد يحد من نشاط وحماس الأطفال ويقلل من فاعليتهم في الأنشطة المختلفة، كذلك يجب أن يكون مظهرها مرتبا ومنظما وجذابا لأن الاطفال يتأثرون بالشكل الخارجي.
معلمة الروضة يجب أن تكون يقظة وتتمتع بقدر من الذكاء والقدرة على التفكير والتصرف السليم، ويجب أن تتسم بسعة الأفق والقدرة على الابتكار، وبدقة الملاحظة حتى تتمكن من تقييم تقدم أطفالها اليومي واستغلال كل فرصة لمساعدتهم على النمو بشكل شامل متكامل.
المعلمة المثالية تكون قادرة على تحمل المسؤولية ومواجهة الصعوبات، متقبلة للنقد، ذات شخصية مرحة وتتميز بالمرونة فيما يتعلق ببرنامج العمل اليومي للأطفال، لديها القدرة علي إقامة علاقات انسانية سوية مع الأطفال والزميلات وأولياء الأمور، تجلس على مسافة واحدة من الجميع وعليها أن تكون متقبلة لقيم المجتمع وعاداته حتى يمكنها ربط الطفل بتراثه وحضارته الانسانية.
أستاذ مشارك كلية الطب- الجامعة الأردنية
معلمة الروضة بين الواقع والمثالية
- التفاصيل