د. رمزي فتحي هارون
يسهل على أي تربوي أن يثبت أهمية مهنة التعليم، بل أدعي أنه يسهل عليه إثبات أنها الأهم على الإطلاق. على أية حال، وبعيداً عن البحث في دلائل أهمية مهنة التعليم، فإنني أرغب في مناقشة قضية جدلية تتعلق بها، وهي قضية الموازنة بين الأنسنة والاحتراف.
يقصد بالاحتراف التعامل الموضوعي الخالي من العواطف في كل المواقف المهنية. كما يقصد به عدم الحاجة لاعتبار العوامل الإنسانية كالقيم والاتجاهات والميول والخصائص الشخصية والحالة الانفعالية وغيرها. أما الأنسنة فهي عكس الاحتراف، حيث يقصد بها مراعاة العوامل الإنسانية واعتبارها عند التعامل مع الآخرين وفي مواقف اتخاذ القرار.
ويمكن للتأمل في طبيعة المهن أن يقودنا إلى الاستنتاج بأنها تختلف في درجة الاحتراف أو الأنسنة التي تلزم العاملين فيها. فمن المعروف أن بعضها يحتاج أعلى مستويات الاحتراف لدرجة أنها تكاد تخلو من تدخل العوامل الإنسانية أو تأثيرها. على سبيل المثال، تقتصر العلاقة في مهنة البرمجة على التعامل مع الأجهزة عموماً، ومع الحاسوب بشكل خاص. إن مستوى تفاعل المبرمج مع البشر محدود للغاية، وتتوجه أفعاله وقراراته أثناء عمله بعوامل موضوعية لا تتغير بتغير الثقافة أو المكان أو الزمان. وينطبق الأمر إلى حد كبير على العاملين في قطاع الهندسة الميكانيكية، حيث أن عملهم غير مقيد بتأثيرات من عوامل إنسانية أو بشرية. في المقابل، لو أخذنا مهنة مثل التسويق لوجدنا أن العاملين فيها يتأثرون بعدد كبير من العوامل الإنسانية التي تتداخل مع قراراتهم وتوجهها. وعليه، لا يستطيع العاملون في مهنة التسويق تجاهل البعد الإنساني أو العمل بمعزل عنه. على أية حال، أعتقد أنه لا يوجد مهنة في الدنيا إلا وتتطلب مزيجاً من الاحتراف والأنسنة. وفي ظني أن ما يميز كل مهنة عن الأخرى هو نسبة ما يحتويه هذا المزيج من احتراف أو أنسنة. وعليه فإنه يمكن وضع جميع المهن على خط متصل بين الاحتراف والأنسنة.
نأتي الآن إلى مهنة التعليم، أين يمكن أن نصنفها وفقاً لمعيار الأنسنة والاحتراف؟ وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نحدد الدرجة التي يحتاجها المعلم لاعتبار العوامل الإنسانية في المواقف التي يعيشها أو يختبرها، إضافة إلى حاجته للتفكير في الخصائص الإنسانية أثناء ممارسته التعليمية أو اتخاذه للقرارات. كما نحتاج في المقابل أن نحدد مستوى الاحتراف في عمل المعلم الذي يجعله يمارس بموضوعية بعيداً عن العوامل الإنسانية.
سوف أحاول في مقالتي هذه توضيح مسألة الاحتراف والأنسنة في مهنة التعليم وذلك عبر مقارنتها بمهنة هامة أخرى هي مهنة الطب. يمكن القول أن مهنة الطب تقدم أفضل الأمثلة على المهن التي تحتاج إلى الموازنة بين الاحتراف والأنسنة. فمن المعروف أنه يستوجب على الطبيب في كثير من المواقف أن يمارس ضمن أعلى درجات الاحتراف بحيث يحيّد كل العوامل الإنسانية، في حين يتطلب نجاحه في مواقف أخرى أعلى درجات الأنسنة. الأهم والأصعب مما سبق هو أن مهنة الطب تتطلب في كثير من المواقف التعامل باحتراف مغلف بطابع إنساني. وسوف تنطلق عملية المقارنة بين مهنتي التعليم والطب من المحاور الآتية:
أ. “الهدوء الذي يصاحب العاصفة”.
ب. “سواسية كأسنان المشط”.
ج. “سلة التخلص من الانفعالات الشخصية”.
د. “الود كضرورة مهنية”.
أ. الهدوء الذي يصاحب العاصفة:
تخيل طبيب في قسم الطوارئ يحاول إسعاف عدد من المصابين الذين يعانون من جروح خطيرة بسبب حادث سير تعرضوا له. يحتاج الطبيب هنا أن يحيّد إنسانيته وأن لا ينفعل ويحافظ على هدوئه وذلك بغض النظر عن حجم الإصابات أو خطورتها أو حتى بشاعتها. ومن المعروف أن انزلاق الطبيب في موقف كهذا خارج حدود الاحتراف سوف ينتج عنه فشله في أداء مهمته وبالتالي تعريض حياة الناس للخطر. والسؤال المطروح هنا: هل من السهل على الطبيب “الإنسان” أن يحيد خصائصه البشرية؟ ماذا لو كان من بين المصابين بعض أقاربه أو معارفه؟
بالمثل، يعيش المعلم خبرات يتوقع منه أن يظهر فيها أعلى درجات الاحتراف والموضوعية. على سبيل المثال، قد يتعمد أحد الطلبة السلوك بطريقة غير مقبولة رغبة منه في إغاظة المعلم واستثارته. وعادة ما ينصح المعلمون في مثل هذه الحالة بتجاهل سلوك الطالب وأن يؤجلوا التعامل معه وذلك لحرمانه من تحقيق الهدف الذي سعى إليه. وعلى الرغم من قناعة معظم المعلمين بصحة هذه النصيحة، إلا أنه يصعب على كثير منهم الأخذ بها. ويُفَسر عجز المعلمين عن تجاهل سلوك الطلبة غير المقبول الهادف إلى إغاظتهم أو الانتقام منهم إلى أن هذا الأمر يتناقض مع خصائصهم البشرية التي تدفعهم لإظهار ردة فعل ما عند الغضب. على أية حال، يبقى الإصرار على ضرورة الممارسة بهذه الطريقة الاحترافية التي ترفع احتمالات نجاح المعلم في مهمته. ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن التزام المعلم بهذا المبدأ في الممارسة الاحترافية سيعرضه لمستويات عالية من الضغط النفسي تزيد من صعوبة مهمته وتؤثر على حياته المهنية والشخصية. إن المطلوب من المعلم أن يحافظ على هدوئه قبل هبوب العاصفة وأثناءها وأحياناً بعدها.
ب. سواسية كأسنان المشط:
يقدم عمل الطبيب في غرفة العمليات مثالاً آخر على حاجته لأعلى درجات الاحتراف. فإجراء عملية جراحية لمريض يتطلب أعلى درجات الإخلاص والدقة وذلك بغض النظر عن دين المريض أو عرقه أو جنسه أو أي تفاصيل أخرى تتعلق به. إذن، لا يعود هناك أي أهمية للتفاصيل الإنسانية المتعلقة بالمريض، والأمر المهم الوحيد هو الممارسات الموضوعية المحترفة التي تضمن أفضل النتائج الطبية.
ماذا لو أسقطنا المثال السابق على حال المعلم؟ هل يسهل على المعلم أن يتعامل مع الطلبة بعدل دون تمييز أو تحيز؟ ما من شك أن الإجابة عن السؤال المتعلق بأهمية هذا الأمر حتمية ومعروفة. لكن ما نناقشه هنا هو إلى أي مدى يستطيع المعلم “الإنسان” أن يعامل الطلبة بعدالة وموضوعية. هل يستطيع المعلم من حيث المبدأ أن يحب طلبته بنفس الدرجة؟ أعتقد جازماً أن الإجابة هي لا. فإذا كانت الأم، حسب ظني، لا تستطيع أن تحب أبناءها بنفس الدرجة، فمن باب أولى أن نتوقع أن المعلم سيعجز عن هذا. على أية حال، تحاول الأم جهدها أن تعدل بين أبنائها، وهذا تماماً ما نتوقعه من المعلم. وتخيل معي صعوبة مهمة المعلم في التعامل العادل وتحييد موقفه الشخصي من الطلبة في إطار الأمثلة الآتية:
- طالب يزعج المعلم كثيراً ويتسبب متعمداً في إضاعة وقت الحصة.
- طالبة مهملة، تمتنع عن تأدية الواجبات البيتية وكثيرة الشكوى.
- أحد الطلبة يذكر المعلم بأعز أبنائه عليه.
- طالب يتناقض كلياً في سلوكه مع ما يعتقد المعلم أنه صواب.
ج- سلة التخلص من الانفعالات الشخصية:
دعونا الآن نفكر في الطبيب الإنسان الذي يعيش في سياقات أخرى غير سياقه المهني، والذي يلعب فيها أدواراً اجتماعية غير دوره كطبيب. مثلاً، الطبيب الزوج، والأب، والابن، وغيرها. من المعروف أن الطبيب، مثله مثل باقي البشر، قد يعيش ضمن أدواره الاجتماعية مواقف فيها صراعات ومشكلات ينتج عنها ارتباك في حالته المزاجية والانفعالية. أيضاً، من الطبيعي أن يمر الطبيب أحياناً بخبرات تتسبب في حزنه وضيقه. على أية حال، يتطلب العمل الاحترافي في مهنة الطب أن يضع الطبيب على جنب كل ما تنتجه ظروف حياته الخاصة من انفعالات ومشاعر، ويمارس بأعلى درجات الاحتراف. والسؤال هنا: كم من العبء النفسي يقع على عاتق الطبيب وهو يحاول أن ينسى حياته الاجتماعية ويحيدها ليركز فقط على دوره المهني؟
بالمثل، هل يمكن للمعلم الإنسان أن يحيّد الأثر السلبي للخبرات التي يعيشها في سياقاته الاجتماعية على أدائه المهني. في الواقع أن مهمة المعلم هذه في غاية الصعوبة على الرغم من أهميتها. فالطلبة في غرفة الصف لا يعرفون أن المعلم على خلاف مع زوجته أو يمر بضائقة مالية أو أن أحد أبنائه مريض. أيضاً، فإنه قد يكون من الظلم أن يدفع الطلبة ثمن شعور انزعاج المعلم أو شعوره بالضيق. إنهم في الأساس لم يتسببوا في ما يعانيه المعلم وليسوا جزءاً منه . بناءً عليه، فإنه من حق الطلبة أن يتعلموا وأن يتم التعامل معهم بطريقة ودية وموضوعية كل الوقت. قد يقول قائل: ألا نحوّل بتوقعاتنا ومطالبنا هذه المعلم من إنسان إلى آلة؟ الحقيقة أنني أتفهم صعوبة المهمة وحجم العبء، لكن في النهاية هذه هي مهنة التعليم. ولا بدّ للمعلم صاحب الرسالة أن يعرف أن ثمناً ما عليه هو شخصياً دفعه لخدمة رسالته وتحقيق أهدافها. فالمطلوب واقعاً هو أن يترك المعلم كل انفعالاته ومشاعره السلبية الناتجة عن خبراته الخاصة، وأن يضعها في سلة خارج غرفة الصف، ثم يدخل إلى الصف متحرراً منها قدر الإمكان.
د- الود كضرورة مهنية:
تخيل أحد المرضى ينتظر بقلق حلول موعد إجراء عمليته الجراحية. تُرى هل ابتسامة الطبيب في وجه المريض ومداعبته له شكل من أشكال الترف أم أنها ضرورة تخدم الإجراء الطبي؟ هل من الضروري أن يشعر المريض بحرص الطبيب عليه وسؤاله عن حاله؟ في المقابل، هل يحتاج المعلم أن يشعر طلبته باهتمامه بهم كأفراد وحرصه عليهم؟ في رأيي أنه عندما يتعلق الأمر بعلاقة المعلم بطلبته تصبح الأنسنة أمراً واجباً. فمن المفيد للمعلم الراغب في تحسين فرصه في التأثير على طلبته وتحقيق تعاونهم أن يبني علاقة إيجابية إنسانية معهم.
ولعل أفضل ما يمكن أن نختم به نقاشنا عن الاحتراف والأنسنة هو الإشارة إلى “الحب” كأحد أهم مفاتيح النجاح. الحب: هذا المفهوم الإنساني وهذه العملية البشرية بامتياز. وعلى الرغم من عدم إيماني بإمكانية تقديم وصفات جاهزة تعين المعلمين في عملهم، إلا أنني أقدم هذا الاستثناء وأعلن عن إيماني بالحب كوصفة تصلح لجميع المعلمين في كل مكان وزمان. إنه، على أية حال، حب صعب ومن نوع خاص: حب محكوم بالاحتراف.
ودمتم،،،
المعلم بين مطرقة الاحتراف وسندان الأنسنة
- التفاصيل