خبرة الوالدين تساعد الأبناء على التوافق والتقبل
خورشيد حرفوش
مما لا شك فيه، أن الآباء والأمهات يكتسبون خبرة كبيرة في تربية الطفل الأول، وعندما يأتي الطفل الثاني، فإن الأسرة تتعامل معه براحة ويسر أكثر، وعادة ما يعكس حديثهم الراحة والثقة وعدم القلق أثناء تربية الابن الثاني مقارنة بالطفل الأول. فعندما ترزق الأسرة بمولود ثان، من الطبيعي أن يشعر الطفل الكبير بالغيرة، ويبدأ التعبير عن قلقه وغيرته بأسلوبه الخاص، ويلجأ إلى جذب الاهتمام بطرق قد تزعج والديه مثل التبول في ملابسه، أو الإصرار على أن تحمله أمه طيلة الوقت، وأن تحتضنه بشدة وأحيانا نجده يقلد المولود في بكائه وحركاته العفوية، مما يسبب الحيرة للوالدين، ويتساءلان: كيف نتعامل معه؟.
في أغلب الأحوال، يتصف الطفل الثاني بشخصية تختلف كثيراً عن الطفل الأول، ولا تعتمد اعتماداً كلياً على الأب والأم. وهذا الطفل يكون لديه قدرة أكبر على اقتحام المستقبل بجرأة أكبر، ودون قلق أو توتر. ففي الوقت الذي يظلم الوالدان طفلهم البكر حين يحملونه مسؤولية أكبر من طاقته، فهو في الكثير من الأحيان لا يتمتع بالحرية الكافية حيث يبقى مقيداً بالانتباه إلى أخيه الصغير بتكليف من والديه، نجد الابن الثاني يتعلم كيف يتعامل مع الأطفال الآخرين بسهولة لأنه يولد وله أخ، وهذا الموقف يختلف طبعاً عن موقف الابن الأول الذي تعود لفترة ما على أن يكون الطفل الوحيد الذي يتركز عليه اهتمام الأسرة.
فالطفل الثاني يعرف كيف يلعب مع الأطفال الآخرين، ويحصل على سعادة بالغة في اللعب مع غيره من الأطفال، ولذلك فهو لا يعاني من الإحساس بالغربة عن بقية الأطفال، ويشعر أن الأطفال الصغار ليسوا مثله، إنهم ليسوا على درجة من الذكاء مثل التي يلمسها في صحبة الكبار، كما أنهم ليسوا مؤدبين كما هو الحال مع الكبار الذين يحبونه ويداعبونه ويلعبون معه. ويجيد الابن الثاني في معظم الأسر الدفاع عن نفسه ضد أي عدوان يتعرض له من جانب أي طفل آخر. إن المسألة عنده لا تحتمل أي تردد، فعندما يبلغ الشهر التاسع، أو يبلغ العام الأول، قد يخاف من أخيه الأكبر، لكن عندما يبلغ عامه الثاني سيصبح قادراً على أن يدافع عن ممتلكاته الخاصة بأسلوبه الخاص، سواء كانت ألعاباً أو ملابس. ومن المدهش أن الطفل الأصغر قد يستطيع أن يفرض سلطاته وسيطرته على طفل آخر أكبر منه في السن وأقوى.
وقد يكون الدافع إلى ذلك أن الطفل الأصغر يكتسب قدرة على الدخول في المعارك ويكون أكثر شجاعة من شقيقه الأكبر لأن الآباء ينسون في أغلب الأحوال أن يزرعوا فيه ما زرعوه في شقيقه الأكبر من إحساس بالذنب لو ضرب طفلاً أصغر منه.
تشير الدكتورة ملك ياسين، أخصائية الطب النفسي، إلى أهمية تفهم الوالدين لطبيعة وحساسية موقف الطفل الثاني، وألا يجب أن نتحول إلى موقف «المعجب» غاية الإعجاب به، فالحياة أمامه ليست سهلة بكل تأكيد، إنه يخوض صراعاً ضارياً من أجل الحصول على المساواة مع أخيه الأكبر. خصوصاً عندما لا يكون في الأسرة من يناضل من أجل المساواة. المساواة في الحصول على ملابس من النوع نفسه الذي يحصل عليه أخوه الأكبر. ويناضل حتى تسمح له الأسرة بالسهر مثلما تسمح الأسرة للأخ الأكبر. ويحاول أن يجذب اهتمام أصدقاء شقيقه الأكبر، وأن يعقد معهم صداقات حتى ولو كان ذلك على حساب إهماله لأصدقائه. ويخلق هذا الصراع في أعماق الطفل الأصغر قدراً من الشقاء والتعاسة، وأحياناً أخرى يظل مرحاً وسعيداً بهذا الصراع، لكن هذا الصراع قد ينعكس على الطفل الأصغر ليصبح إحساساً بالتوتر الدائم، فيميل إلى أن يكون رقيقاً. وينعكس هذا الصراع على الشقيق الأكبر فيغتاظ من أخيه لأنه يرى كيف أن أخاه الأصغر قد تحول إلى إنسان له صفات القائد القوي بين أصدقائه».
وتوضح الدكتورة ياسين «يعرف الطفل الثاني في أغلب الأحوال كيف يتكيف مع أخيه الأكبر وأسرته، ويعرف أيضاً كيف يتكيف مع الابن الثالث الذي يأتي بعده. وفور أن يأتي الطفل الثالث قد يقع الطفل الثاني في متاعب نفسية يغلب عليها طابع الخوف لأنه لم يتمكن بعد من وضع نهاية للصراع مع أخيه الأكبر، فهو لم يبلغ مرحلة المساواة التامة معه ويشعر أن هناك «منافساً» جديداً قد ظهر على المسرح. هنا قد يتوقف الابن الثاني عن المنافسة مع أخيه الأكبر. ويستسلم للأمر الواقع ويستكين للهدوء ويفقد قدراً من الحيوية، ويفقد مقدار الشجاعة اللازمة ويحاول أن يعتمد على حماية الكبار. وقد يصاب بالنكوص فيقلد الأطفال الصغار في الكلام أو مص الأصابع أو التبول في الفراش، لكن كل هذه المظاهر ليست خطيرة، إنها رد فعل على ميلاد المنافس الجديد. وإذا استمرت هذه الظواهر لمدة أطول من الحد المعقول فعلينا أن نعرف أنه في حاجة إلى المزيد من صداقة الوالدين.
يكمل الدكتور بهجت أبو زامل، مدرس علم النفس: «هناك جوانب نفسية مهمة للغاية تتعلق بمسألة ترتيب الأطفال، ولننظر مثلاً إلى الطفل الأصغر «آخر العنقود» كما يحلو للبعض أن يسميه. إن الحالة قد تختلف، فالواقع يشير إلى أن معظم الأطفال الذين يولدون كآخر العنقود ليست لهم صفات بارزة بشأن ترتيبهم في الأسرة. لكن هناك فئة قليلة منهم يتملكهم اتجاهان مختلفان: الاتجاه الأول، هو النضال من أجل الوصول إلى مستوى الشقيق الأكبر والتفوق عليه. والاتجاه الثاني، هو الاستمتاع بمكانة الطفل الأصغر».
ويوضح الدكتور أبو زامل: «كلما تقدم العمر بالآباء والأمهات وكثرة إنجاب الأطفال فإن مسائل التربية تصبح عادية وتقليدية ويتعلم الآباء والأمهات أن الطفل يستطيع أن يشق طريقه في الحياة عن طريق تقليد أبويه، وأنه لا لزوم للتدخل في كل صغيرة وكبيرة في شؤون الطفل.
إن التعب يصيب قلب الأبوين في مسائل تربية الأبناء، لذلك فإن الحبل يترك على الغارب قليلاً، وكل ذلك يجعل الأطفال الصغار لا يخضعون للرقابة الشديدة من الآباء والأمهات كما كان يحدث مع إخوته. وكثيراً ما يغض الآباء الطرف عن بعض أخطاء الابن الأصغر، وينال هذا من التدليل ما لم ينله بقية إخوته! وهكذا نجد أن الطفل الأصغر يتصف أحياناً بالأنانية والاعتماد على الآخرين، ويعاند للحصول على ما يريد، ويثير ذلك غيرة إخوته الكبار، وهي غيرة لا يعيرها الطفل الأصغر اهتماماً، ويصر تماماً على الاستئثار بكل اهتمام، هذا النوع من الأطفال قد يقع في فخ الكسل وعدم القدرة على تحمل أية مسؤولية».
بين حتمية المنافسة وحساسية التعامل مع الشقيق «الأول» الطفل الثاني أقل حظاً في الرعاية وأوفر نصيباً من خبرة الوالدين
- التفاصيل