كثيراً ما يثار بيننا وبين أنفسنا تساؤل قد يبدو غامضاً حول تضارب مشاعرنا تجاه أطفالنا! لا أقصد هنا التضارب بين الحب والكراهية، أو القبول والمقت ـ والعياذ بالله ـ إنما فقط على الصعيد النسبي لشدة وفتور هذه المشاعر أو تلك. إن الحقيقة التي أتيقنها تشير إلى عدم وجود ميزان عادل وقاطع وحاسم، نستطيع أن نقيس به طبيعة مشاعر البهجة أو الغضب، والراحة أو الامتعاض أمام ما يحمله الأبناء من صفات أو سمات، أو أمام ما يبدر عنهم من سلوكيات أو تصرفات، وهل هذه المشاعر متساوية أم لا..؟
أعتقد أنه نوع من التبسيط المضلل، أو نوع من التحيز الأعمى، فلو حاولنا أن نزن مشاعرنا تجاه صفات الأبناء التي تفرحنا، والتي تختلف من ابن لآخر، فإننا سنجد أن كل طفل عبارة عن مجموعة مركبة ومعقدة من الصفات والسمات. وبالتالي فإن مشاعرنا لا تظل ثابتة بشكل دائم نحو أي إنسان ـ قياساً بالابن ـ ، إنها تتغير وتتبدل من يوم لآخر، بل ومن لحظة لأخرى، وإذا أردنا المزيد من الصراحة فإن معظمنا يشعر بالضيق من تصرف شخص في لحظة ما، في حين أن نفس هذا التصرف لا يشعرنا بالضيق في وقت آخر.
فقد نلتقي بأناس نشعر تجاههم بالقبول والانجذاب، وفي أيام أو في لحظات أخرى لا يبدون لنا كذلك.
فالمسألة إذن تتوقف على الحالة المزاجية لكل منا، ولا يمكن أن نفسر هذا التغيير الكامل في معاملة هذا النوع من الآباء لأبنائهم، إلا أن الابن نفسه قد تغير تغيراً كاملاً أو طفيفاً في سلوكه الذي كان والداه يلومانه عليه، لكن عادة ما ننسى أن التغيير الكامل حدث أصلاً للوالدين. إنها مسألة نسبية للغاية، بل هي أمر ذاتي جداً، وقابل للتغيير والتبديل، من فترة إلى أخرى.
ولنسأل أنفسنا: ما هي حقيقة جذور أحاسيسنا السلبية والإيجابية؟ لماذا نكره بعض صفات الابن ونحب بعض الصفات الأخرى؟
نحن نتمنى أن نجد في أطفالنا الصفات التي أراد لنا آباؤنا أن نكتسبها، والتي نجحنا في أن نتعلمها، حتى ولو لم نحبها في البداية، وأصبحنا نعتز بها بعد أن أصبحت جزءاً من سماتنا. فكل أسرة عادة تصب كل اهتمامها على خصال محددة تجعلها أهدافاً يجب أن يصل إليها الأبناء. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل فرد في مراحل نموه يختار مُثله العليا الخاصة به على أساس الأفكار والصفات التي يعجب بها في أفراد أسرته الذين يحبهم ويتوحد بهم. فإذا تجلت هذه الأفكار والصفات في أبنائه، فذلك يصبح مصدراً لسعادته تماماً.
والعكس صحيح، فإن كل أسرة تستنكر بعض الصفات في أبنائها وتراها غير مرغوبة فيها، وتعتبرها ضد المثل العليا، وينتقل هذا الاستنكار من جيل إلى آخر.
إذن لماذا يتعجب الآباء من اختلاف مشاعرهم تجاه الصفات التي تظهر في أبنائهم، ثم هناك مسألة أخرى، هي أن الابن أحياناً في مظهره أو سلوكه يذكرنا ببعض أفراد أسرتنا، فإذا كنا نحب هؤلاء الأفراد نقلنا إعجابنا إلى الطفل وإذا كنا لا نحبهم استنكرنا أي خطأ من الطفل وعرضناه للنقد. تلك هي سنة الحياة التي اعتمد عليها المجتمع ليجعلنا نحن الآباء نعجب بالخصال الجميلة ونحاول أن نجنب أبناءنا الصفات الرديئة.
المحرر | عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أبناءنا.. وحقيقة مشاعرنا
- التفاصيل