الله بديع السموات والأرض أوجدها من العدم وسخرها للإنسان ليُحسن اكتشاف مكوناتها ويسعى لإيجاد الحلول والمواد التي تُسهل له حياته وتطور بقاءه، الإنسان الطاقة الجسدية والعقلية والنفسية التي أوجدها الله لتتحرك نحو الإبداع والإنتاج والتفاعل مع ما حوله للبحث وصنع ما هو جديد لذا ميزه الخالق بقدرات عقلية ونفسية لم يتصف بها غيره من المخلوقات فكان العقل والوجدان والقدرة على الاختيار وتحقيق الإرادة هما أكثر ما امتاز بهما ليكون خلقه بديع يسير في حركته نحو الإبداع لعمارة الأرض وتطويرها.
فالطفل منذ نعومته يكتسب المعرفة من خلال ما يلاحظ في بيئته من مواد يحاول أن يلمسها ويتحسسها ويتذوقها ليبدأ التمييز بين الأشياء وينتبه لكل حركة أو صوت من حوله ثم يرتقي ليميز الأصوات والأسماء ويصنفها وهكذا تنمو عملية اكتساب المعرفة والعلم لديه ويصاحبها الانفعال والمشاعر حسب ما يتلقى من ردة فعل تواجهه من المحيطين حتى يصل لتشكيل سلوكه وشخصيته الخاصة التي تميزه عن غيره من الناس.
وكلما كانت البيئة غنية بالمواد التعليمية والحسية ومتنوعة في ألوانها وأشكالها كلما كان التعلم والمعرفة واستفزاز العقل لديه أكبر وأعمق وخاصة إن توفر مربين ومعلمين قادرين على التعامل بأحسن الأساليب وأبدعها في تربية الطفل دون أن يكون هناك حرمان زائد أو عطاء وتدليل فائض يُبعد الطفل عن أي اضطراب ومشكلات سلوكية غير سوية.
وتعتبر الأسرة والمدرسة والمجتمع لكل منهما الحظ والنصيب في تربية الطفل والتأثير في نموه العقلي والنفسي لذا يجب الحرص على أن تتواصل كل منهما مع الأخرى في عملية التربية وأن توفر في كل منهما الوسائل والأساليب المعرفية الدقيقة والمتنوعة في التعامل مع الطفل وإنتاجه شخصية مبدعة قادرة على الاندماج والعطاء تبنى على التوازن والسوية.
فأهم ما يجب العمل عليه في مراحل التربية الأولى أن يُعلم الطفل كيفية التفكير الإبداعي، فالإبداع هو الطاقة العقلية الكامنة داخل العقل البشري والتي نستطيع تفعيلها من خلال ما يكتسبه الطفل ويَتعلم من طرق التعامل مع البيئة والمشكلات المحيطة من حوله والعمل على إيجاد الحلول الأصيلة للمشكلات من خلال التفكير والتوقعات التي من الممكن أن تُحدث العلاج أو تُجنب وقوع تلك المشكلة أو معالجتها.
والإبداع يمكن أن يُعلم لكل إنسان وفي أي مرحلة عمرية ما دام العقل في حالة سواء، فيُربي على التفكير الإبداعي مع وجود مميزات للأفراد الذين يُولدون بالفطرة يتمتعون بقدرة عقلية إبداعية، فهذه الطاقة يمكن إن تُتعلم ويُدرب عليها الإنسان لتصبح عادة سلوكية عقلية دائمة يسعى إليها الإنسان ليُحقق طموحاته ونجاحاته ويستشعر أهمية وجوده في الحياة بما يقدمه من إنجازات جديدة لم يسبقه أحد إليها.
فالإبداع يُبنى على كيفية استخدام الإنسان لجانبي الدماغ، فالجانب الأيمن يحتوى على الخيال والمشاعر والتصوير الفني والأيسر يحرك عملية التحليل المنطقي والإحصائي، وهو لا يختص في مجال واحد من مجالات الحياة فيظهر في مجال الأدب والفن والسياسة والتربية والتكنولوجيا والاجتماع والطب والهندسة وكل ما يتعامل ويتواصل معه الإنسان، ولا يتعامل فقط مع وجود المشكلات بل يسعى لإيجاد ما هو أصيل وجديد كي يُحدث التغير والتجديد، وليس المطلوب من المُبدع أن يملك أعلى الدرجات والشهادات العلمية بل يظهر في كثير من الأحيان ممن كانوا بدرجة متوسطة في المدرسة أو برز فيهم التمرد والعناد و يرفضون الجمود والسير على نهج ثابت وواحد، فهم لا يثبتون في مكان واحد ويكثرون الحركة والبحث.
والمُبدع يتمتع بسمات نفسية وسلوكية تميزه عن غيره حيث يُكثر من الخيال والتدبر والتحليل، ويتمرد على واقعه ويصر على ما يريد ولا يلتفت لمن حوله، يعاني التوتر والقلق نتيجة التفكير المستمر والانفعال الدائم لكنه مع الوقت يتعلم كيف يدير توتره وقلقه، لديه حساسية كبيره اتجاه بيئته ويرى الأشياء بغير ما يراها الآخرين ويحاول دائماً أن يعكسها لتظهر بصورة جديدة، يكثر من الإنفراد بنفسه وربط الأشياء المحيطة مع بعضها ليصل لصورة فنية رائعة، يبحث عن التعلم الدائم بإصرار ولا يخاف الفشل ويُصر على الاستمرار. ولديه أسلوب حياة وفن يُميزه في التعامل مع بيئته والتفكير بالتطوير وإيجاد الجديد لإسعاد الآخرين وتفريغ طاقته الإبداعية ليبدأ البحث من جديد عن إبداع آخر لأنه لا يقف عند إنجاز واحد.
إن العقل البشري يحمل طاقة هائلة يجب أن نتعلم كيف نحترمها ونستثمرها في تحقيق مصالح المجتمع وتطوير حياتنا، فهناك كثير من الذين وُلدوا مُبدعين لم يجدوا يداً تُمد وتحترم ما يعملون فماتت إبداعاتهم أو فروا لبلاد أخرى تحترم عقولهم وتقدرها.
نحن نطمع أن نرى مجتمعنا بكل مؤسساته بدأ من الأسرة وانتهاءً بأعلى سلطة تُسهم في تربية الأجيال نحو الإبداع، وأن يُزداد الوعي المعرفي بأهمية ذلك وضرورته بالحياة البشرية التي كُلفت بالعمل والسعي في الأرض نحو تحقيق ما ينفعها باستغلال قدرات أبنائها، ونأمل أن ترتقي الأساليب التربوية والمربين لتربية التفكير الإبداعي لكل فرد في المجتمع لتُتاح الفرصة لكل شخص أن يُقدم ما هو جديد ومُبدع لمُجتمعة وغيره من المجتمعات، وأن توفر مؤسسات ومراكز واسعة خاصة بالمُبدعين ليحققوا طموحاتهم وإبداعاتهم وأن تصرف الأموال لأجل استثمارهم كمُدخرات وطنية سوف تأتي بالفوائد الهائلة على المجتمع وللبشرية جمعاء، فالعقل الفلسطيني لديه الموهبة والإبداع الذي ميزه عن غيره من المجتمعات ولكنه يَفتقر للاهتمام والرعاية المطلوبة من كل مؤسساته بل في كثير من الأحيان يُستهان بإبداعاته وقدراته فتموت قبل ولادتها.
ففي اللحظة التي يُحترم فيها عقل الإنسان العربي والفلسطيني ويبدأ العمل على تحقيق ما فيه من طاقات وقدرات فيَستشعر أن هناك من يحترم وجوده ويحقق كرامته ويوفر له ما يُفرغ به قدراته وطموحاته عندها نعلم أن المجتمع ارتقى لأفضل القيم التي تؤدي لنموه وتطوير حضارته ووجوده فاحترم المجتمع لأفراده وتحقيق كرامتهم وحقوقهم من أولى الخطوات التي تقود للتميز والإبداع بين الأمم.
* كاتبة فلسطينية- رام الله. - عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.