خلق الله تعالى الإنسان اجتماعي بفطرته، مهيأ للعيش في جماعة، يميل بطبعه إلى مخالطة الناس و التعرف عليهم،قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "-الحجرات:13.
ولم يزل الإنسان محتاجاً إلى جماعة من الرفاق تجمعه بهم علاقة حميمة اسمها الصداقة، يستشعر فيها معاني الود والتفاهم والراحة النفسية، وغالباً ما تجمع الصداقة بين أناس يتفقون في مشاربهم وأهدافهم ورؤاهم للحياة التي يعيشونها، ومن ثمَّ كان التفاعل والتأثير المتبادل واضحا وشديدا بين جماعة الأصدقاء، فكل صديق يدل بالضرورة على صديقه، لتلازم الشبه بينهم في السمت والخُلق:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
ولذلك فقد أرشدنا الله عز وجل إلى أهمية اختيار الأصدقاء والرفاق الصالحين ولزومهم، قال تعالى:" وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"- الكهف:28.
وبين لنا عاقبة هذا الاختيار في الدار الآخرة،قال تعالى:"الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ" الزخرف:67 "أَيْ كُلّ صَدَاقَة وَصَحَابَة لِغَيْرِ اللَّه فَإِنَّهَا تَنْقَلِب يَوْم الْقِيَامَة عَدَاوَة إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ دَائِم بِدَوَامِهِ، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَمُجَاهِد وَقَتَادَة :صَارَتْ كُلّ خُلَّة عَدَاوَة يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا الْمُتَّقِينَ – راجع تفسير القرآن العظيم،للحافظ ابن كثير،ج:4،ص:129.
وقد بين لنا النبى صلى الله عليه وسلم ذلك بعبارة تشبه القوانين والمسلّمات حيث قال: "المرء على دين خليله،فلينظر أحدكم من يخالل!"رواه أبو داود وغيره وحسنه الألباني.
أى أنّ أخلاق الصديق تنطبع ولابد على صديقه وخليله، فليختر كل واحد منكم من تنفعه صحبته، ولا تضره في دينه ودنياه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً:"إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء،كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك،إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه،وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك،وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة"متفق عليه وهذا لفظ رواه مسلم،رقم:146،ج4،ص:2026، ففي كلا الحالين يتأثر الجليس بجليسه، إما بالسوء، وحرق الثياب،وأقله الريح الخبيثة، وإما بالخير والفائدة والعطر الحسن.(مسئولية الأب المسلم)،ص:225.
لمّا كان تأثير الصاحب والجليس بهذه الدرجة الكبيرة، فإن تأثير هذه العلاقة على مستوى الأطفال بعضهم في بعض أكثر تحققاً ومضاء، إذ تعتبر جماعات الرفاق من أشد الجماعات تأثيراً على تكوين أنماط السلوك الأساسية لدى الطفل.(انحراف الأحداث)، ص:116.
والطفل- في حاجته للرفاق- كالكبير تماماً،لا يستطيع العيش منعزلاً،فلجماعة الرفاق أهمية كبيرة بالنسبة له،ووجود الطفل في محيط من الأطفال يعد من العوامل الأساسية والهامة في التربية. (فينيكس فيليب:فلسفة التربية،ص:326)
ويتميز هذا التأثر بين أفراد جماعة الرفاق بعضه ببعض، بأنه بطيء، طويل المدى ولكنه أكيد المفعول، الأمر الذي جعل خبراء التربية يطلقون على تلك العلاقة مصطلح "التربية السهلة"، إذ إنها توفر على الوالدين الكثير من التلقين، فقط. يكفي أن يرى الولد صديقه يصلّي فيقلده، بل يذهب معه إلى المسجد، وإن رآه يتنزه عن الكذب ويصدق في حديثه، فإنه يحب ألا يقل في خُلقه عن نموذج صديقه،فينتهج نهجه في الصدق، وهكذا.
وطبقاً لهذه القاعدة فإنّ الحذر من رفقاء السوء يساوي في المقدار والأهمية ضرورة تهيئة الصحبة الصالحة للأبناء، ولقد نبًه على ذلك كثير من العلماء المسلمين، موجهين خطابهم إلى الوالدين وكل من قام على تربية الأبناء، فهذا الإمام ابن الجوزى يقول: "أمّا تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد أخلاقهم، وليحمل الولد على صحبة الأشراف والعلماء، وليحذر من مصاحبة الجهال والسفهاء، فإن الطبع لص".(ابن الجوزى،صيد الخاطر:220)، وينقل - رحمه الله- عن إبراهيم الحربي- وهو من علماء التابعين رضى الله عنهم- قوله: "أول فساد الصبيان بعضهم من بعض".(ابن الجوزى،ذم الهوى:97).
وكذلك أشار الإمام الغزالي رحمه الله إلى أن تكوين الأخلاق الحسنة يمكن أن يكون عن طريق مصاحبة الأخيار والصالحين،وكذلك الأخلاق السيئة، فقال رحمه الله: "الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعاً".(الغزالي، إحياء علوم الدين،ج3،ص:58).
ترتب على ذلك ضرورة عناية المربي باختيار الصديق، واصطفاء الرفيق لولده،وهو بذلك يوفر له عامل هام من عوامل صلاحه واستقامته،وقد صدق من قال: "قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت!"
ولكن هل من الممكن حقاً أن أختار الأصدقاء لأبنائي؟
نعم عزيزي المربي، بل يتحتم عليك أن تبذل كل ما في وسعك لكى تساعد أبنائك وتهىّء لهم أجواء اجتماعيةً صالحةً، يتعرفون فيها على الصحبة الصالحة وتنمو علاقتهم وتتوثق في ظلّها، ففي استطاعة الأب المسلم أن يوفر تلك الأجواء من خلال بيته، وينتقي كذلك من بيوت الصالحين من الأقارب والأصدقاء، والجيران، الذين يعرف تدينهم، واهتمامهم بتربية أبنائهم، فتتكون بذلك بيئة صالحة للأبناء يتحركون في محيطها،ويجدون فيها أقران ورفقاء صالحين لهم.
ولا يعني ذلك أن الولد سينعزل عن المجتمع الكبير الذي نعيش فيه، بسلبياته وإيجابياته، وإنما سيجد الولد في هذه الدائرة الداخلية مجالاً واقعيا يرى فيه تطبيق ما نربيه عليه من قواعد الإسلام وأخلاقه،وبالتالي يسهل عليه الإستجابة والتطبيق لمفردات هذه التربية ذات التوجه الإسلامي.
مع ملاحظة أنّ الأفضل هو البدء في الترتيب لذلك مبكراً، والأبناء مازالوا صغاراً، أمّا إذا تأخر انتباه المربي لهذا الأسلوب، فعليه بانتهاجه أيضاً ولكن بأسلوب غير مباشر، فإنّ الطفل الكبير أو المراهق غالباً يكون متحفزاً تجاه الأساليب المباشرة في النصح والتوجيه.
ولتكن الأسرة هى المظلة الواقية لهذه الصحبة:
وذلك حتى يظل البيت هو مرجعية الأبناء، ومحضنهم الدافىء، فيحث الأب ولده على دعوة أصدقائه إلى المنزل لتناول طعام العشاء مثلاً، ويظهر الابتهاج لحضورهم، وأنه سعيد بقدومهم،ويحسن ضيافتهم.
ومن خلالها يتعلم آداب الصحبة وحقوق الأخوة:
من خلال مخالطة الولد لرفاقه،سيمرّ بالعديد من المواقف،فتارة يتفق معهم، وتارة يختلفون، وأحيانا يتشاجرون ويختصمون لعدة أيام، ثم لا يلبثوا أن يعودوا إلى الصفاء، ومن خلال تلك المواقف يتعلم الابن الكثير، يتعلم من خلال الجماعة كيف يعامل غيره، ويتدرب على تقديم التضحيات أحياناً مسايرة لرغبة الجماعة، ليكون مقبولا عندها(سليمان فياض: السلوك العدواني عند الأطفال).
ويتعلم كذلك أن للصحبة حقوقاً وآداباً مثل:
-أدب السلام والمصافحة وتشميت العاطس وعيادة المريض منهم.
- يؤدب الأبناء على بذل النصيحة لأصدقائهم ودلالتهم على الخيرات، وأن يحبوا لهم ما يحبوا لأنفسهم، فإن ذلك من علامات كمال الإيمان،لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"متفق عليه.
- ألا يبخلوا عليهم بما عندهم،مع الترفع عن الأخذ منهم،كما نصح بذلك ابن الحاج رحمه الله حيث قال:"ويمنع أن يأخذ من الصبيان شيئاً بل يعلّم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ".(ابن الحاج:المدخل،ج:4،ص:2020).
- يعلم الولد أدب المزاح مع أصحابه، وأن المزاح لا يعني أن يضرب أو يشتم أو يستهزىء بصديقه،ولا يكذب مازحاً ليضحكهم،ولا يأخذ متاع أحدهم بدعوى المزاح،ولا يروّع أحداً منهم زاعماً المزاح أيضاً.
- حثّ الولد على الكرم و تقديم الهدايا لأصدقائه، خاصة إذا حلّت مناسبة تقتضي التهنئة والهدية، مثل النجاح والمرض والأعياد، لقوله صلى الله عليه وسلم :"تهادوا تحابوا"رواه في الأدب المفرد البخاري، وحسنه بعض العلماء منهم ابن حجر والسيوطي والألباني.(راجع أيضا عدنان حسن باحارث: مسئولية الأب المسلم في تربية الولد).
وماذا لو ظهر رفقاء السوء في حياة الولد؟
على الوالد أن ينهى ولده برفق، ويحذّره ويبيّن له عاقبة مخالطة أصحاب السوء، وأنها تضره في دينه ودنياه،ويسوق له الأمثلة على ذلك، فإن لم يسمع الولد لنصحه، عمل الأب على تنفير الآخر بسوء استقباله وإظهار الإستياء لحضوره، وإن احتاج الأمر إلى إشعار أهله بذلك فحسن، إذ إنهم إن علموا بعدم رغبة الأب في مخالطة ولدهم لابنه أخذتهم العزة والأنفة، وحجزوا ولدهم ومنعوه عنه.
عزيزي المربي:
إنه لا يسعنا بعد ان أكدت لنا تجارب السابقين والمعاصرين، أنه ما انحرف حدثٌ ولا سلك سبيل الإجرام إلا بدلالة رفقاء السوء وتشحيعهم،إلا أن ندعو الله تعالى لأبنائنا أن يرزقهم الرفقة الصالحة وأن يجنّبهم ويقيهم من رفقاء السوء،وألا نقصر في دورنا التربوي حيال هذه المسألة، بدءاً من التهيئة المبكرة للصحبة الصالحة للأبناء،إلى توفير المناخ الأسري الدافىء الذي يسعهم هم وأصدقائهم؛ ليظلوا تحت مظلة الأسرة ورقابتها،حتى يشتد عودهم،وتقوى إرادتهم، ويملكوا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ والطيب والخبيث.
وبذلك نصل معك – عزيزي المربي- إلى الإجابة على هذا السؤال: هل تريد تربية سهلة لأبنائك..؟! هىّء لهم رفقاء صالحين.
حفظهم الله من كل سوء، وهداهم إلي كل ما يحبه ويرضاه.آمين.
ــــــــــــــــــــ
انحراف الأحداث: أنور محمد الشرقاوي.
صيد الخاطر: ابن الجوزىّ.
ذم الهوى: ابن الجوزىّ.
إحياء علوم الدين: لأبي حامد الغزالي.
فلسفة التربية: فينكس فيليب
السلوك العدواني عند الأطفال: سليمان فياض رحاحلة.
المدخل: ابن الحاج.
المصدر:لها أون لاين