قال صاحب مجلة المنار
ذكرنا في العدد السابق من جريدتنا مقالة مضمونها : أن مَن ينظر في تاريخ الأمم ويكتنه شؤونها يتجلى له أن القوة والمنعة والغنى وبسطة الملك وسائر موارد السعادة مناطها تعميم التربية والتعليم على الوجه الذي ينبغي .
وهذا الأمر وإن كان بديهيًّا عند العارفين بالتاريخ ؛ لأن الوجود الإنساني كله شاهد به ودليل عليه ، فالسواد الأعظم من أمتنا غافل عنه لا يرجع إليه طرفًا ، ولا يصيخ له سمعًا ، والمتنبهون أفراد قلائل يرددون الصيحات والنبآت ، ولا ملبي ولا مجيب ] كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [
( البقرة : 171 ) .
وإن تعجب فعجب قول من سمع الصيحة منهم : إن هذا لا ينفع ولا يفيد .ويحتجون بحجج داحضة ، ذكرنا في المحاورة السابقة منها : حجة الجبر وسلب الاختيار ، وأتينا على تزييفها بما يقطع ألسنة المثرثرين بها بقدر ما يحتمله المقام ، وبقي لهم حجج أخرى واهية ، تنبئ عن قلة الاختبار . وإننا قبل بسط الكلام على التربية والتعليم نورد ما يثرثر به الكثير من الناس في الاحتجاج على عدم الفائدة منهما ، ونبين فساده ؛ ليكون ذلك أدعى إلى تأمله والنظر إليه بعين الاعتبار، ومن الغريب أن ما ادعيناه في المقالة السابقة [*] من أن سعادة الأمة في التربية والتعليم مبني على المشاهدة والاختبار التام ، وكذلك شبه هؤلاء على عدم فائدتها تستند على اختبار ومشاهدة ، لَكِنْ ناقصين غير تامين ، وإنني مورده عليك فاستمع لما يتلى .
احتجاجهم على عدم فائدة التعليم في إصلاح الأمة :
قالوا : إنا رأينا كثيرًا ممن درج في حجر المكاتب ، ثم عرج منها إلى حجرات المدارس العالية ، فتلقى العلوم والفنون ، وظهرت عليه أمارات النجابة ، حتى صار قبلة آمال الوطن ، ومنتهى رجاء أهله ، ثم لما ألقيت إليه مقاليد الأمر فيه كان كلاً على كاهله ، وقذى في عينه ، بل كان جائحة متلفة لثماره ، وصاعقة منقضة على دياره ، لا يسعى إلا لمنفعة شخصه ، وتنمية ماله وإن تلفت في سبيله مصالح العالمين .
ومنهم من كان عونًا للأجنبي ، وعتادًا على امتلاك بلاده ، يمهد له الصعاب ،ويزيل من أمامه العواثير والعقاب ، ويسهل احتمال سلطته على النفوس ، بل منهم من باع للأجنبي بلاده بثمن بخس ( وكل ثمن تُباع به الأوطان فهو بخس ) ، أو وعد بأن ينيط به بعض الوظائف ، أو يكون مقربًا من جنابه الرفيع . فما أغنت التربية عن أمثال هؤلاء ، وماذا أفادهم التعليم ، أما والله لو لم يتعلموا لما تسنى لهم اقتراف هذه المنكرات ، ولما فطنوا لأساليبها واهتدوا إلى طرقها ، ولكانت مضراتهم محصورة في دائرة ضيقة مخصوصة بنفر قليل .
هذا بالنسبة للذين تعلموا العلوم السياسية والحقوقية ، وأما الذين تعلموا العلوم الشرعية الإسلامية ، فإننا نرى الكثير منهم أيضًا قد اتخذها فخًّا لصيد الدنيا . يحتال ويعلم الناس الحيل لهضم حقوق الله وحقوق العباد ، وإذا تبوأ منصبًا ( كقضاء أو إفتاء ) ، أو صار محاميًا ، لا يأتي أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقًّا ، ليشتري به ثمنًا قليلاً ، فويل لهم مما كسبت أيديهم ، وياليتهم لم يكونوا من المتعلمين .
والجواب عن هذا واضح: وهو أن هؤلاء وإن تلقنوا بعض الفنون إلا أنهم لم يتربوا تربية صحيحة ، يغارون بها على دينهم ووطنهم ، والعلم من حيث إنه إدراك لصور المعلومات لا تقتضي العمل ، ولئن اقتضى العمل فهو لا يستلزم أن يكون في وجوه الخير والمنفعة لبلاد العامل إلا إذا تربى على ذلك . ثم ما يدريك أن المعلمين لهؤلاء الخائنين والمربين لهم في المدارس كانوا من الأجانب أو ممن اصطنعهم الأجانب فصبغوهم بصبغتهم ، وجذبوا أعنة قلوبهم فقادوها إلى محبتهم ، وعلموهم كيف يعملون لمنفعتهم ، أو غرسوا في نفوسهم اعتقاد عظمتهم وقدرتهم ، وأنه لا يتعاصى عليهم أمر ، ولا يعز عليهم مطلب ، فذللوهم بذلك واستعملوهم كما تستعمل السوائم من الأنعام ، أو أقنعوهم بأن السعادة لا تنال إلا بأيديهم ، وأن الإصلاح لايأتي إلا على أيديهم ، وأن قطرًا لم يحتلوه محروم من المدنية ورفاهة العيش ، لا ترى فيه القصور المشيدة ، والسرر المنضدة ، والطرق الفسيحة ، ولا تنشأ فيه الحانات والمواخير ( أي مواضع الريبة ، وليس هذا من التهكم ؛ فإن السكر والفحش من لوازم التمدن الحديث ) ، إلى غير ذلك من المحسنات فعملوا ما عملوا بناءً على هذا الاقتناع ، فهم مجتهدون بأنهم ينفعون أمتهم من حيث ينتفعون بأنفسهم ، وفي كل صورة من هذه الصور ترى أن التربية والتعليم أفادا المعلم والمربي ، فاجتنى بهما ثمرات المنافع من خصمه ومناصبه ، فكيف يكون أثرهما من مجانسه ومناسبه ، لعَمْرك إنه لعظيم .
احتجاجهم على عدم الفائدة من التربية :
قالوا : نرى كثيرًا من الولدان يهمل أمر تربيتهم الوالدان ، فلا ينتهرونهم ،ولا يضربونهم ، ومع ذلك ترى عندهم الدعة ولين الجانب والدماثة والصدق والوفاء والأمانة ، إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق والأعمال ، وبعكس ذلك نرى بعض الناس يعامله والده بالشدة والغلظة ، ولا يضحك في وجهه ، ولا ينبسط له ، وإذا عمل عملاً قبيحًا صب عليه سوط عذاب ، أو كما يقول بعض العامة في بلاد الشام : ( لعب العصا بجلدو ) ، ومع ذلك تراه كذوبًا مرائيًا شرسًا أحمقَ خائنًا ماكرًا فاحشًا متفحشًا سبابًا لعانًا ، وبالجملة : منغمسًا في الرذائل ، ملطخًا بحمأة المقاذر ، مسترسلاً في الفجور ، ولولا الاعتناء بتربيته لما بلغ هذا المدى ، ولا انتهى في الفساد إلى هذه الغاية .
والنتيجة من هذه المشاهدات : أن الأخلاق مواهب وحظوظ ، وليست بالتربية . وأن التربية ربما عادت على صاحبها بالخذلان ، وكانت كالدواء لم يصادف محله فأودى بمتناوله وأورده مورد الهلكة .
فموسى الذي رباه فرعون مُرْسَل وموسى الذي رباه جبريل كافر
والجواب عن هذا في غاية الظهور وإليك البيان : إن معاملة الوليد باللين والرفق وأخذه بالرأفة والحلم ، وعدم إهانته بالسب والشتم ، كل ذلك من أفضل أساليب التربية وأنجعها وأنجحها ، إذا لم ينتهِ إلى حد الإهمال وإرسال الحبل على الغارب ، وإن الشدة والقسوة والإهانة بنبز الألقاب ، وضروب الإيلام مفسدة للأخلاق ، ومدعاة للشرور والفجور ، وإن أمهات الرذائل كالكذب والخيانة والمكر والاحتيال والمداهنة لا تتولد إلا من الظلم والضغط على الحرية الشخصية ، كما سنوضحه فيما بعد .
فهذه الحجة دليل على نفع التربية وفائدتها ، لا على ضررها ، على أن زمام التربية ليس بأيدي الوالدين والمعلمين دائمًا ، بل ربما كان بأيدي الخلطاء والمعاشرين أكثر مما هو بأيديهم . وهناك أمر آخر حقيق بالاعتبار ، وهو ناموس الوراثة ، وكل ذلك سنفصله تفصيلاً .
وأما قولهم : فموسى الذي رباه فرعون … إلخ ، البيت المار فهو من حجج الشعراء التي لا يتبعهم عليها إلا كل غوي مبين . ويعنون بموسى الذي رباه جبريل السامري الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل ، ودعواهم تربية جبريل له باطلة وأفيكة ، انتحلها هذا الشاعر الغوي الذي جعلوه قدوة لهم ولعمري إن فيها غميزة بمقام روح القدس وأمين الوحي عليه السلام . والحق أن جبريل إنما ربى موسى الرسول ؛ لأنه هو الروح الذي يؤيد الله تعالى به الرسل والأنبياء ، لا الغواة الأشقياء ( نعوذ بالله من غلبة الجهل ) .
ويا ليت شعري هل يقولون بأن تربية فرعون لموسى كان لها دخل في ارتقائه إلى مقام الرسالة ، لا وإنما يحتجون بذلك على عدم وجود فائدة للتربية بالكلية ، وجَهِلَ هؤلاء الحمقى أن الذين اجتنوا فوائد التربية من أهل أوربا وثبتت لديهم بالاختبار والمشاهدة ، اللذين هما أقوى الأدلة والبراهين ، قد جعل بعض ملاحدتهم كلام الشاعر شبهة على الطعن بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام ، وزعموا أن نشوءه في بيت الملك ، وتربيته في حِضْن السياسة والشريعة المصرية قد نبها فكرته للقيام بتلك الدعوة التي حرر بها أمته ، وأن ما جاء به من الشريعة مقتبس من شريعة المصريين ، مع تنقيح وتحوير يناسب حال شعب إسرائيل ( نعوذ بالله من هذا الضلال البعيد ) ، وليس المقام هنا مقام رد شبه الملاحدة ، ولكن لا بد من كلمة تحول دون تمكن الشبهة من فكر الجاهل ، وهي إذا جاز أن يأخذ موسى ( عليه السلام ) شريعته من شريعة المصريين ، فهل يجوز أن يكون ما جاء به من المعجزات التي أدهشتهم وأبطلت السحر الذي كانوا يخدعون به الناس مأخوذًا من المصريين ، كلا بل سول لهم الكفر ما يأفكون .
ثم إن التربية والتعليم متلازمان بمعنى : أن الثاني لازم للأول ، لا يتم إلا بهبل هو جزء منه ؛ لأن التربية على ثلاثة ضروب : تربية الجسم ، وتربية النفس ،وتربية العقل ، وهذا الأخير هو عين التعليم ، ثم كل منها يحتاج للعلم والتعليم ، ولكننا نفرد للتعليم مقالات مخصوصة نبين فيها وظائف المعلم والمتعلم ، وكيفية التعليم ، ويدخل في هذا البحثُ في المصنفات وأساليبها ، ونبدأ بالكلام على القسم المهم من التربية ، وهو : تربية النفس ، المعبر عنه بتهذيب الأخلاق ، وموعدنا الأعداد الآتية ، إن شاء الله تعالى .
________________________
(*) نشرت في فاتحة العدد 3 الذي صدر في 7 ذي القعدة سنة 1315 – 1 مارث سنة 1898 .
(( مجلة المنار ـ المجلد [ 1 ] الجزء [ 2 ] صــ 56 29 شوال 1315 ـ فبراير 1898 ))
التربية والتعليم
- التفاصيل