عمر السبع
قد يمتلك المربي صلاحًا في ذاته وأخلاقًا فاضلة، ولكنه مع ذلك لايعرف كيف يربي أولاده؛ وذلك لأنه لا يمتلك المهارات التي تؤهله لذلك.
ونحن نقصد بجملة الماهر بالتربية: أن يمتلك المربي الناجح من المهارات ما يعينه على العملية التربوية، وأن يمتلك المهارة العلمية والمهارة العملية في الوقت ذاته، فكم من عالم بمهارات التربية ولكنه وبكل أسف لا يعرف كيف يُطبِّق، ولا يستطيع أن يحول النظرية إلى تجربة وواقع.
ومن أهم المهارات التي لابد أن تتوافر في المربي علمًا وعملاً:
المهارة الأولى: المربي الناجح قدوة:
إن أردت أن تصنع طفلاً عالمًا، كن قدوة في العلم.
إن أردت أن تصنع طفلاً مؤدبًا، كن قدوة في حسن الخلق.
إن أردت أن تصنع طفلاً ناجحًا، كن قدوة في النجاح.
إن أردت أن تصنع طفلاً متدينًا كن قدوة في التدين... وهكذا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍يــــــا أيهـــــا الرجــــــل المعلــِّـــــم غيره 
هلَّا لنفســــــــك كــــــان ذا التعليــــــم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى   
كيما يصح بـــه وأنــــــــت سقيــــــــــم
ابدأ بنفســــــك فانهها عـــــــــن غيهـــا 
فإذا انتهـــت عنه فأنـــت حكيــــــــــم
فهناك يقبل مــــا وعظـــت ويُقتـــــدى
بالعلـــم منـــك وينفــــع التعليــــــــم

(من السهل تأليف كتاب في التربية، ومن السهل تخيَّل منهج، وإن كان في حاجة إلى إحاطة وبراعة وشمول، ولكن هذا المنهج يظل حبرًا على ورق، يظل معلقًا في الفضاء ما لم يتحوَّل إلى حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض، ما لم يتحوَّل إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ المنهج ومعانيه، عندئذ فقط يتحوَّل المنهج إلى حقيقة، يتحوَّل إلى حركة، يتحول إلى تاريخ) [منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، (1/180)].

طفلك عطشان إلى القدوة:

(إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع، هي التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل وهو يخضع للتربية إلى تقليد والديه ومعلميه وتمثل سلوكهم، وذلك لأنها حاجة نفسية تدفع الناس إلى أن يتشبهوا بالأشخاص الذين يحبونهم ويقدرونهم) [أصول التربية الإسلامية وأساليبها، عبد الرحمن النحلاوي، ص(135)].

إن الطفل مهما بلغت استعداداته وقدراته؛ فإنه يظل أسيرًا لقدوة حسنة، تبث فيه روح الثقة والحماسة، التي إن لم يجدها أصيب بالإحباط واليأس، وارجع بذهنك ـ عزيزي المربي ـ إلى الوراء، وتذكر أي شخصية كان لها أعظم تأثير على طفولتك، بل وإن شئت قُل على حياتك، أهو ذلك المدرس المتميز في مادته وهو أيضًا حسن الخلق طيب الطباع؟ أم أنه ذلك الأب الناجح في حياته المتفوق في مهنته؟ أم أنها تلك الأم الكريمة السخية التي لا تفتر عن الإنفاق في سبيل الله؟

بالتأكيد كان كل شخصية من هذه الشخصيات قدوة لك في مجال من المجالات، وأنت وصلت إلى هذه التركيبة بمجموع هذه العناصر المؤثرة في حياتك؛ لذلك فالطفل عطشان إلى هذه القدوات التي يرسم على منهاجها شخصيته وأهدافه.

منهج القدوة منهج نبوي:

فلقد مدح الله عز وجل الأنبياء لأنهم كانوا قدوة لنا في كل أفعالهم، وأمرنا تعالى بأن نقتدي بهم؛ قال تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: ٩٠]، بل ومدح الله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ٢١].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه في كل شيء؛ في العبادة وفي الزهد وفي الكرم، وفي حسن الخلق وفي الشجاعة وفي الجهاد، كان قائدًا بحق، ولهذا خرج من تحت يديه قادة عظام، أُقيمت على أكتافهم دولة الإسلام في غضون سنين قليلة.

القدوة هي الفارق يبن القائد والمدير:

فالمدير يؤدي وظيفته الإدارية، ويحسب الأرباح والخسائر ويعاقب ويثيب، بغض النظر عن وجوده في ميدان العمل كقدوة؛ أما القائد فهو الذي يبهر أتباعه بثباته وإقدامه وروحه في أرض العمل، القائد هو الذي يلهب مشاعر وأحاسيس الجماهير، ويُحرِّك الكل وفق الأهداف التي يؤمن بها ويسعى إلى تحقيقها.

أنت ـ عزيزي المربي ـ لابد وأن تكون قائدًا في بيتك.

فإذا أمرت طفلك أن يأكل بيمينه فلابد أن تكون قدوة.

وإن أمرته أن يُصلِّي الصلاة في وقتها فلابد أن تكون قدوة.

وإن أمرته أن يبر أمه فلابد أن تكون أنت بارًّا بأمك وبزوجتك.

وإن أمرته أن يكون رياضيًّا ويلعب الرياضة، فلابد أن تكون أنت قدوة له وتمارس رياضة ما.

وإن كنت تريد منه أن يحفظ القرآن، فكن قدوة له بأن تكون حافظًا للقرآن.

وتأكد عزيزي المربي أن عين الطفل شديدة الرقابة عليك، ولن تفلت لك هفوة واحدة؛ لذلك لابد أن تكون شديد الحذر من أن تسقط من عين طفلك، أو أن تكون له بمثابة المدير الذي يحركه هنا وهناك، دون أن يُضفِي على تلك العلاقة روح القائد والقدوة.

نحن لا نطلب منك أن تكون مثاليًّا، لأن هذا أمر مستحيل أن لا يكون لك هفوة، ولكن احترز من هفواتك خاصة أمام طفلك، ولا تأمره بأمر أنت لا تأتيه، ولا تنهه عن أمر أنت تأتيه، والأمر بحاجة إلى اجتهاد كبير وصدق، والله هو ولي التوفيق.

واعلم ـ عزيزي المربي ـ أن (الأسرة هي المحضن الذي يبذر في نفس الطفل أول بذوره، ويُكيِّف بتصرفاته مشاعر الطفل وسلوكه، ومن ثَم ينبغي أن تكون أسرة نظيفة، أسرة مسلمة، حتى ينشأ جيل مسلم يحقق في نفسه مبادئ الإسلام، يأخذها بالقدوة المباشرة، المنقولة عن قدوة الرسول صلى الله عليه وسلم) [منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، (1/186)].

المهارة الثانية: المربي الناجح على علم:

عزيزي المربي ...

كثير من الآباء يشتكي من أن طفله لا يطيع، أو أنه لا يسمع الكلام، أو أنه لا يحترم والده.

والحقيقة أنك ـ يا أخي المربي ـ بيدك أن تكون قائدًا بارعًا ومربيًا ناجحًا، إن أنت حرصت على العلم، إن العلم حقيقة من أقوى الوسائل التي تجعل طفلك ينقاد لك طواعية ويتبعك في كل طريق تسلكه، لذلك فشرط الاتباع الذي وضعه موسى عليه السلام لكي يتبع الخضر هو أن يُعلِّمه،{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: ٦٦].

إن المربي كلما كان عالمًا زاد ذلك من ثقة الطفل به؛ ذلك لأن الطفل بطبعه لديه رغبه جامحة لاستطلاع كل شيء، ولمعرفة كل مبهم وكل جديد، ولا تتخيل ـ عزيزي المربي ـ قدر الإحباط الذي قد يصاب به الطفل إذا سألك سؤالاً وقلت له: لا أعلم، أو قلت له: إني مشغول لتهرب من الإجابة كما فعل والد أدهم.

والعلم ـ عزيزي المربي ـ ليس فقط في العلوم الشرعية كما يظن البعض، لا، بل إن المربي الناجح لابد أن تكون لديه ثقافة جامعة في كل جوانب الحياة: الثقافية والسياسية والاقتصادية والألغاز والطرائف والعلوم الشرعية وأخبار العالم وما يحدث حولك، بل والأهم من ذلك كله القراءة في كتب التربية الإسلامية وكتب تربية الأولاد؛ لتكون هذه القراءة بمثابة المنهج الذي يُربِّي على أساسه المربي طفله.

وإذا حدَّد المربي لنفسه خطة للقراءة والتعلم ولو بأقل القليل مع مرور الوقت، سيصل إلى المستوى الذي يريد.

يقول المستشار حسن محمد الحفناوي: (إن رب الأسرة الذي يواظب على القراءة سوف تستفيد أسرته من ثقافته، وسوف يشب أبناؤه محبين للاطلاع الذي نشأوا وترعرعوا في أحضانه، وليس بمقبول الاعتذار بالأعذار الواهية، كمن يقول: إني مشغول لا أجد وقتًا للقراءة، ألا يجد وقتًا للطعام؟! بلى يجد بالقطع، فإذا كان الطعام غذاء الأجسام، فإن القراءة غذاء العقول والأفهام.

كما لا يقبل أن يقال: إن جهاز المرناة (التليفزيون) شغل الناس، وحسْب ذلك الزعم فسادًا أن الذين اخترعوا المرناة جعلهم يواظبون على القراءة.

أذكر أني كنت في مبنى المرناة لتسجيل بعض البرامج ثم خرجت للحديث في الهاتف، فرأيت عامل الإضاءة وهو مجرد عامل ـ وهو أوروبي من بولندا ـ رأيته ينفرد بنفسه في مكان قصي ويقرأ في كتاب، فسألته، فقال: إنه كتاب في بعض برامج الحاسوب (الكمبيوتر)، وأنه لابد أن يقرأ ساعتين يوميًّا مهما كانت الظرف، حتى ولو كان مريضًا.

ألا يمكن أن نعود للقراءة والاطلاع، وأن نرجع لصداقة الكتاب من جديد، حتى نبني ثقافتنا ونستعيد حضارتنا) [الأسرة المسلمة وتحديات العصر، حسن محمد الحفناوي، ص(34)].

المصادر:
·الأسرة المسلمة وتحديات العصر، حسن محمد الحفناوي.
·منهج التربية الإسلامية، محمد قطب.
·أصول التربية الإسلامية وأساليبها، عبد الرحمن النحلاوي.

JoomShaper