عمر السبع
1.المربي الناجح متحمل للمسئولية:
(إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبعملكم هذا تكونون طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية.
لقد هيأتم جميع العقول في الممالك الإسلامية لقبول السير في الطريق الذي سعيتم له، ألا وهو إخراج المسلم من الإسلام، إنكم أعددتم نشئًا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، أخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في "المسيحية"، وبالتالي جاء النشء الإسلامي مطابقًا لما أراده الاستعمار: لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى أصبحت الشهوات هدفه في الحياة.
فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات، إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات.

أيها المبشرون إن مهمتكم تتم على أكمل الوجوه)[قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله، عبد الودود يوسف، ص(26)].

إن هذا الكلام لم يخرج هكذا في ثورة حماسة، بعد رحلة طويلة من التربية، ومشوار بعيد في تعلم كره الإسلام والمسلمين.

الغربيون يربون أبناءهم إذًا، ويضعون لهم الأهداف، ويمدونهم بالوسائل التي تعينهم على تحقيقها.

والمسلمون أيضًا يربون أبناءهم، ولكن الفارق يكمن في أن كثيرًا من الآباء المسلمين لا يتحمَّلون هذه المسئولية، ولا يهتمون إلا بعلف أولادهم كما تُعلَف الدواب، وهم غافلون تمامًا عنهم وعن تربيتهم، أو يربونهم ولكن على أمزجتهم أو على نموذج الغرب، وليس على وفق تعاليم الإسلام.

المربي الناجح يستشعر مسئوليته تجاه ولده:

نعم، ففارق كبير بين الذي يستشعر المسئولية وبين النائم في فراشه الذاهل عن تربية أولاده، هذا الاستشعار يدفع صاحبه دائمًا لأن ينطلق بكليته في مراقبة الولد وملاحظته، وفي توجيهه وملاحقته، وفي تعويده وتأديبه.

وهو يعتقد أنه إذا غفل عنه فترة، وإذا تساهل عن ملاحظته مرة، فقد يتدرج الولد في الفساد خطوة بعد خطوة، وفي حال الغفلة الدائمة والتساهل المتكرر، فإنه سيكون لا محالة من زمرة الأولاد الشاذين، ومن عداد الشباب المنحرفين، فعندئذٍ يصعب عليه إصلاحه، فيندم على ما فرَّط ولكن ولات حين مندم، ويبكي على ما جنت يداه ولكن هل ينفع البكاء؟!

أتبكـــي على لُبنــى وأنــت قتلتهـــا     

وقـد ذهبــت لُبنى فما أنـت صانـــع

إن نجاح التربية متوقف بالمقام الأول ـ بعد توفيق الله تعالى ـ على يقين الآباء بأهميتها، وأنهم هم المسئولون عنها.

إن إتقان التربية متوقف على تحمل المسئولية والاهتمام بهذا الأمر، خاصة عندما تكون هذه التربية وفق منهج الله وعلى طريقة الإسلام؛ فالأب الذي يتحمل المسئولية لا يفتر عن أمر أهله وولده بالصلاة، الأب الذي يتحمل المسئولية لا يسكت أبدًا إذا رأى طفله على خطأ أو ذنب، ويختار لتوجيهه الوقت المناسب.

الأب الذي يتحمل المسئولية لا يُدخِل الحرام بيته أبدًا، ولا يقنع في الدين أبدًا، وإنما يسعى جاهدًا لأن يكون بيته وأسرته مصباحًا يشع إسلامًا وإيمانًا، كيف لا؟! وهو يحفظ عن ظهر قلب حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته)[متفق عليه].

فانطلاقًا من هذا الأمر القرآني والتوجيه النبوي وجب على كل مربٍّ مؤمن عاقل بصير حكيم، أن ينهض بهذه المسئولية على أكمل وجه وأتم استعداد وأقوى عزيمة، واضعًا نصب عينيه غضب الله إذا هو فرَّط وعذاب جهنم إذا هو قصر؛ لأن المسئولية يوم العرض الأكبر ثقيلة، والمحاسبة عسيرة، والهول عظيم، وجهنم تقول: هل من مزيد، هذا مع رؤيته لتخطيط الغرب ضد الإسلام أكبر دافع لتحمل المسئولية تجاه الأبناء الأعزاء.

(وفي غياب تحمل المسئولية وغياب الإحساس بعواقب العمل يكرر الطفل نفس الخطأ مرة ومرات، ولا يعرف له حدودًا، ويتمادى في ارتكابه الأخطاء، وأيضًا لا يعرف ما المطلوب منه وأين يتوقف وماذا يفعل؟

إن دور الآباء هو تحديد المجال المسموح للطفل، ومعاقبته إذا خرج عن هذا الحد، والطفل إذا عرف الحد المسموح له استراح وأراح الأبوين، إما إذا لم يعرف حدوده فإنه يظل يطلب ويطلب أكثر وأكثر، حتى يجد له الأبوان تلك الحدود التي لا يجوز تخطيها.

ولابد أن يكون ذلك واضحًا، ولا يفعله الأبوان مرة ثم يتوقفان عن عمله مرة أخرى، فلابد من التطبيق باستمرار حتى يعرف الطفل أن هذا هو الحد المسموح به فلا يتجاوزه)[أولادنا أكبادنا، د.إكرام بشير، ص(67)].

2. المربي الناجح ذكي:

أمام غرفة مدير المدرسة، دخل فارس إلى غرفة المدير مسرعًا، ومن غير أن يستأذن، ويبدو أن الأمر كان عاجلاً وخطيرًا، وصرخ بأعلى صوته: أستاذ، أستاذ، أريد أن أخبرك بشيء هام جدًّا.

اعتدل المدير في مجلسه، وأبدى اهتمامًا كبيرًا بفارس، ووضع يده على كتفه وقال: مهلاً، مهلاً يا بني، ماذا حدث؟ اخفض صوتك وتكلم بهدوء.

فقال الطفل: أريد أن أخبرك أيها المدير، بأمر خطير يحدث عندنا في الفصل.

المدير في اهتمام: ماذا يحدث يا بني؟

الطفل: لقد رأيت بعض الأطفال في الفصل يسخرون من مدرس الرياضيات، ويلصقون قصاصات على ثيابه مكتوب عليها كلمات فكاهية من حيث لا يشعر، ثم يتنادرون بعد ذلك ويضحكون، ويسخرون من مدرسي وأنا أحبه جدًّا، ولا أحب أن يسخر منه أحد، ولقد حذرتهم مرارًا أني سأخبر المدير، ولكنهم كانوا يسخرون من كلامي ولا يعطون له بالاً.

المدير: جزاك الله خيرًا يا فارس، أن أخبرتني بهذه المعلومة، وأنا أُقدِّر غيرتك على مدرسك، وأعدك أن أتخذ الإجراء المناسب.

الطفل جزاك الله خيرًا يا أستاذ.

المربي الذكي يستخدم التعريض لا التجريح:

أيها المربي، لقد كان بوسع المدير أن يدخل الفصل ويمسك العصا ويضرب كل أفراد الفصل، أو أن يضرب ماجد وأدهم ويجبرهم على الاعتذار لمدرس الرياضيات أمام كل الفصل.

ولكنه المربي الذكي يختار التعريض قبل التجريح، والحوار قبل الصدام، والنقاش قبل الصراخ، هذه هي إحدى وسائل التربية الناجحة التي يحسن بكل مربٍّ أن يختارها وسيلة في التربية مع أولاده.

ما بال أقوام قالوا كذا وكذا:

هذا هو الأسلوب نفسه الذي استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا) [صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4788)].

فالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب يحفظ ماء وجه المخطئ، ويدفعه إلى تصحيح خطئه دون أن يفضحه أمام الناس.

فاعلية التعريض:

(عندما استخدم المدير أسلوب التعريض مع الأطفال كانت النتيجة أن حفظ المدير للطفل شخصيته، ولم يتسبب في إهانتها أمام الناس حتى لا يتسبب ذلك في عقد نفسية فيما بعد.

كما أن هذا الأسلوب أدى إلى زيادة الثقة والترابط بين المدير والأطفال وكذلك المحبة؛ وذلك لأن الطفل يشعر بالطمأنينة والارتياح النفسي إذا عالج مدرسه أو والده خطأه دون أن يفضحه أمام الناس أو أمام إخوانه.

كما أن هذا الأسلوب سوف يصحح أخطاء تربوية موجودة عند أطفال آخرين لم يكونوا هم المقصودين بالتعريض.

وبهذا يكون هذا الأسلوب أيها المربي الفاضل ذا فاعلية عالية) [كيف تغير سلوك طفلك؟ محمد ديماس، ص(44-45)، بتصرف]، ويكون دليلاً على ذكاء المربي وحلمه وصبره.

3. المربي الناجح يفهم آلية العقاب:

الوالد: أحمد لابد أن تكون طفلاً مطيعًا، الآن اذهب إلى فراشك للنوم.

أحمد: ولكني لا أريد أن أنام.

الوالد: ولكني آمرك، أن تذهب إلى الفراش الآن.

أحمد وقد احتد في الكلام وارتفع صوته: أوامر، أوامر، كل شيء أوامر، وهل أنا عبد لك لكي أنفذ الأوامر، إنني لن أنام، لقد كرهت هذه الحياة الذليلة، إن الموت بالنسبة لي أرحم بكثير من العيش في هذا البيت.

انطلق أحمد وأغلق خلفه باب غرفته بحركة عنيفة أحدثت صوتًا مرتفعًا أثار جلبة وتساؤلاً عند الجيران.

اندهش الوالد من هذا السلوك المفاجئ غير المؤدَّب من طفله أحمد، وهَمَّ أن يمسك العصا وينزل بها على ولده.

ولكن زوجته أمسكت بيده وقالت له: مهلاً يا زوجي الحبيب، إن هناك نوعًا من العقاب أكثر فاعلية.

قال الوالد: وما ذاك.

قالت الزوجة: الخصام والمقاطعة.

قال الوالد: الخصام والمقاطعة، وهل تظنين أن هذا النوع من العقاب يصلح مع هذا الطفل غير المؤدب؟

الزوجة: لقد جربت أنواعًا كثيرة من ذي قبل، فلن تخسر شيئًا عندما تجرب هذا الأسلوب.

الزوج: ولكن ما مميزات هذا الأسلوب؟

الزوجة: أول ميزة أن هذا الأسلوب استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم.

الزوج: حقًّا؟!

الزوجة: نعم، ألم تقرأ قصة كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، عندما تَخلَّف عن غزوة تبوك وأمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام أن يقاطعوا كعبًا ومن معه، ممن لم يكن لهم عذر في التخلف عن غزوة تبوك؟!

الزوج: وماذا كانت النتيجة؟

الزوجة: النتيجة يقصها القرآن الكريم في سورة التوبة، ويصف قدر اللوم النفسي الذي تعرض له كعب بن مالك وصاحباه حتى منَّ الله عليهم بالتوبة.

الزوجة: إن استخدام أسلوب المقاطعة، له أثر إيجابي كبير في تغيير السلوك السيئ؛ وذلك لأن المخطئ في هذه اللحظة يشعر بذنبه مباشرة عندما تقاطعه الأسرة، والإحساس بالذنب يؤدي به إلى تعديل سلوكه.

كما أنه في هذه اللحظة يشعر بأهمية الأسرة بالنسبة له، وأنه من غيرها يتيه ويتخبط وتضيق عليه الأرض بما رحبت.

في هذه اللحظة سيتبين للطفل أهمية الالتزام وطاعة الآباء، كما أن الخير سيعم على كل أفراد الأسرة، بحيث يصير من المتعارف عليه أنه من يخطئ هذا الخطأ فسوف يعاقَب بهذا الأسلوب الصعب، وبهذه الطريقة تكون قد ربيت جميع أفراد الأسرة وليس الطفل المخطئ فحسب.

الوالد: حسنًا يا زوجتي سوف أستخدم هذا الأسلوب عله يكون حبل النجاة الأخير مع طفلي.

الزوجة: لا تيأس، فالله تعالى معنا) [كيف تغير سلوك طفلك؟ محمد ديماس، ص(58-59)، بتصرف].

نعم أيها المربي، إن المربي الناجح يفهم آلية العقاب، يعرف جيدًا متى وكيف يعاقب، فليس الضرب فقط وفي كل وقت، بل لديه وسائل كثيرة يعاقب بها قبل أن يلجأ إلى الضرب، وإذا لجأ فلا يضرب في الوجه ولا أكثر من عشر ضربات، فيستخدم الخصومة أو الحبس أو الحرمان من المصروف أو الحرمان من مشاهدة الكرتون، يعدد الأساليب ويفكر ويدرس أيها الأكثر جدوى بالنسبة لطفله، وهكذا يختار الأسلوب المناسب.

المصادر:
· كيف تغير سلوك طفلك؟ محمد ديماس.
· قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله، عبد الودود يوسف.
· أولادنا أكبادنا، د.إكرام بشير.

JoomShaper