الكاتب: محمد نور سويد
أولاً- ما ورد في ترسيخ محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار:
أخرج الطبراني وابن النجار والديلمي عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن». وقال المناوي عن سنده: ضعيف.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أنس رضي الله عنه، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وما أعددت لها؟» فقال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم «أنت مع من أحببت». قال أنس: «فأنا أحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر؛ وعمر، فأرجو أن أكون معهم، بحبي إياهم» ومعلوم أن أنساً خدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو طفل صغير عمره عشر سنين ولمدة عشر سنين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة النهار لا يكلمني، ولا أُكلمه؛ حت أتي سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة - رضي الله عنها - فقال: «أَثُمَّ لُكَع؟ (أي: هنا الصغير)»، فَحَبَسَتْهُ شيئاً، فظننتُ أنها تُلبسه سِخاباً؟ أو تُغسِّلُه، فجاء يشْتَدُّ، حتى عانقه؛ وقَبَّله، وقال: «اللهم أحْبِبْهُ، وأَحِبَّ منْ يحبُّهُ» متفق عليه.

وعن البراء رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن على عاتقه يقول: «اللهم إني أحبه فأحبه» متفق عليه.
وهذا الطفل أبو سعيد الخدري - من صغار الصحابة - يعرفنا حضوره لمجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعلم الكبار والصغار صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آل بيته الكرام، يكرِّر ذلك كل مصل في صلاته:
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، هذا التسليم، فكيف نُصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ عبدِكَ ورسولِكَ، كما صليتَ على إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم».
وهكذا ينشأ الطفل محباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الأطهار الطيبين.
بل وينشأ وهو يعتقد بانتصار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أثناء اللعب معهم:
في صحيح البخاري عن يزيد بن أبي عبيد، قال : سمعت سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسْلَمَ ينتضلون (أي يتسابقون في أيهم أبعد في الرمي)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً ارموا، وأنا مع بني فلان"، قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما لكم لا ترمون؟"، قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا فأنا معكم كلكم" ( ).
فانظر إلى هذا الأدب الكبير من أطفال الصحابة رضوان الله مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يبدؤوا بالرمي إلى جهة الفريق الذي وقف معه الرسول صلى الله عليه وسلم، ووقفوا واجمين متعجبين، حتى استفسر الرسول صلى الله عليه وسلم منهم عن سبب توفقهم، فيجيبونه، وفي هذا يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم الحوار مع الأطفال، والاستفسار منهم، وسماع حجتهم ورأيهم، ولنرفع شعار (ما لك لا تفعل؟، ومالك لا تعمل؟ وما لك لا تطيع؟ وما لك ...وما لك؟.
بل وفي رواية( ) زيادة حوار فاسمع إليه:
فقال : "ارموا يا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان رامياً, وأنا مع ابن الأكوع" . فأمسك القوم بأيديهم فقال: "ما لكم لا ترمون" ؟ قالوا : يا رسول الله وقد قلت: أنا مع ابن الأكوع؟, وقد علمنا أن حزبك لا يغلب, فقال: "ارموا وأنا معكم كلكم".
ويخبرنا طفل من أطفال الصحابة عن سماعه من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحض أصحابه الكبار والصغار على حب آل بيته الأطهار:
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يا أيها الناس، إني تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، أحدُهما أكبرُ من الآخر: كتابُ الله ممدودٌ بين السماء والأرض، وعِترتي أهلُ بيتي، ألا إنهما لَن يفْتَرقَا حتى يرِدَا على الحَوْضَ»( ).
وهذا طفل ثانٍ من أطفال الصحابة الذين تَرَبَّوْا على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو زيد ابن الأرقم ( ) يحدثنا عن سماعه لخطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يحثّهم على التمسك بكتاب الله، وبأهل بيته الطيبين الأطهار:
روى مسلم( ) عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه لقد لقيت، يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فينا خطيباً، بماء يدعى خُمّاً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: (أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: (وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).
فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة).
قال البغوي: قيل سمّاهما ثقلين؛ لأن الأخذ بهما، والعمل بهما ثقيل.
وقال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يحث الأمة على الاهتمام والرعاية لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارْقُبُوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته».( ).
ويدخل في أهل بيته زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وهذا جاء به القرآن الكريم والعرف اللغوي المستقر:
فعن أم سلمة قالت: في بيتي أُنزلت: (.. إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب:33)، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، فقال: «هؤلاء أهل بيتي» قالت: فقلت: يا رسول الله، أَمَا أنا من أهل البيت؟ قال: (بلى إن شاء الله). قال البغوي: هذا حديث صحيح الإسناد. فزوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين ومن أهل بيته.
روى الإمام أحمد( )- بسند حسن- عن شَهْرِ بن حَوْشَب قال: سمعتُ أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين جاء نَعْي الحُسين بن علي - رضي الله عنهما - لَعَنَتْ أهلَ العراقِ، فقالت: قتلوه، قتلهم الله، غَرُّوه وذَلّوه، قتلهم الله( )، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءته فاطمة غَدِيةً ببُرْمَة ( ) قد صنعت له فيها عصيدةً، تحمِلُه في طَبقٍ لها، حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: أين ابن عَمِّكِ؟ قال: هو في البيت، قال: «فاذهبي: فادْعيه، وائتني بابْنَيه»، قالت: فجاءت تقود ابنَيها كل ُّ واحد منهما بيد، وعليُّ يمشي في إثرهما، حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجلسهما في حِجره، وجلس عليُّ عن يمينه، وجلست فاطمةُ عن يساره، قالت أم سلمة: فاجتذب من تحتي كِساءً خيبرياً، كان بساطاً لنا على المنامة في المدينة، فلفَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم جميعاً، فأخذ بشماله طَرَفَي الكِساء، وألوَى بيده اليمني إلى ربّه عز وجل، قال: «اللهم أهلي أذهب عنهم الرِّجس، وطَهِّرهم تطهيراً، اللهم أهل بيتي أذهبْ عنهم الرجِّس وطهِّرهم تطهيراً، قلت: يا رسول الله! ألستُ من أهلِك؟، قال: بلى، فادْخُلي في الكِساء، قالت: فدخلت في الكساء بعدما قضى دُعاءه لابن عمه علي، وابنيه، وابنته فاطمة رضي الله عنهم.
وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من سَرَّهُ أن يكْتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمدٍ، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذرِّيته، وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد».
وسار الصحابة رضوان الله عليهم يكرمون ذريته في كل مكان:
ففي صحيح مسلم ( ) عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : دخلنا على جابر بن عبد الله ، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي ، فقلت : أنا محمد بن علي بن حسين ، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ، ثم نزع زري الأسفل ، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب ، فقال : مرحبا بك ، يا ابن أخي ، سل عما شئت ، فسألته ، وهو أعمى ، وحضر وقت الصلاة ، فقام في نساجة ملتحفا بها ، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ، ورداؤه إلى جنبه ، على المشجب ، فصلى بنا ، فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
فقال : بيده فعقد تسعا ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس في العاشرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فقدم المدينة ببشر كثير ، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعمل مثل عمله ، فخرجنا معه ، حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصنع ؟ قال : " اغتسلي ، واستثفري بثوب وأحرمي " فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، ثم ركب القصواء ، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء ، نظرت إلى مد بصري بين يديه ، من راكب وماش ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به ، فأهل بالتوحيد " لبيك اللهم ، لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك ، والملك لا شريك لك " وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته ،
قال جابر رضي الله عنه : لسنا ننوي إلا الحج ، لسنا نعرف العمرة ، حتى إذا أتينا البيت معه ، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام ، فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت ، فكان أبي يقول - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم - : كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله " أبدأ بما بدأ الله به " فبدأ بالصفا ، فرقي عليه ، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ، فوحد الله وكبره ، وقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك ، قال : مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل إلى المروة ، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ، حتى إذا صعدتا مشى ، حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة ، فقال : " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة " ، فقام سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم ل أبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى ، وقال : " دخلت العمرة في الحج " مرتين " لا بل لأبد أبد " وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ، ولبست ثيابا صبيغا ، واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها ، فقالت : إن أبي أمرني بهذا ، قال : فكان علي يقول ، بالعراق : فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة للذي صنعت ، مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه ، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها ، فقال : " صدقت صدقت ، ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ " قال قلت : اللهم ، إني أهل بما أهل به رسولك ، قال : " فإن معي الهدي فلا تحل " قال : فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة ، قال : فحل الناس كلهم وقصروا ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ، فأهلوا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء ، فرحلت له ، فأتى بطن الوادي ، فخطب الناس وقال : " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله ، وأنتم تسألون عني ، فما أنتم قائلون ؟ " قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فقال : بإصبعه السبابة ، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس " اللهم ، اشهد ، اللهم ، اشهد " ثلاث مرات ، ثم أذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا ، حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى " أيها الناس ، السكينة السكينة " كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا ، حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر ، وصلى الفجر ، حين تبين له الصبح ، بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء ، حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ، فدعاه وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن عباس ، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما ، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن يجرين ، فطفق الفضل ينظر إليهن ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل ، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر ، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل ، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر ، حتى أتى بطن محسر ، فحرك قليلا ، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة ، فرماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها ، مثل حصى الخذف ، رمى من بطن الوادي ، ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بيده ، ثم أعطى عليا ، فنحر ما غبر ، وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر ، فطبخت ، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب ، يسقون على زمزم ، فقال : " انزعوا ، بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم " فناولوه دلوا فشرب منه وحدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن محمد ، حدثني أبي ، قال : أتيت جابر بن عبد الله ، فسألته عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق الحديث بنحو حديث : حاتم بن إسماعيل ، وزاد في الحديث وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري ، فلما أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزدلفة بالمشعر الحرام ، لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه ، ويكون منزله ، ثم فأجاز ولم يعرض له ، حتى أتى عرفات فنزل
وأما ترسيخ حب الصحابة- رضوان الله عليهم- فهم عمدة الإسلام، ومادته الأولية الأولى، فنزلت فيهم آيات تتلى إلى يوم القيامة تمدحهم، وتبين رضى الله عليهم الذي لا يتبدل ولا يتغير، وفضلهم على المسلمين بكل مذاهبهم مستمر إلى يوم القيامة:
(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ) (التوبة:100).
وفي مصنف أبو بكر بن شيبة( ) وصحيح مسلم واللفظ له( ) تعلم سيدتنا عائشة رضي الله ابن أختها في فضل صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وترسخ محبتهم في قلبه، وتفسر له الإتباع بإحسان لصحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: فعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي!: (أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم).
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:18)   (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ) (المجادلة:22).
فالله تعالى علم ما في قلوبهم من إيمان وطهارة، فرضي عنهم، فهل البشر أعلم من الله فيسبون من ترضى الله عليهم –والعياذ بالله تعالى- ويتهمونهم بالنفاق أيضاً؟ فعلام إذاً فتح الصحابة رضوان الله عليهم العراق وإيران وبلاد الشام وأفريقيا وآسيا في مدة أقل من عشرين عاماً مباركة؟!!! حيث إن المنافق لا يجاهد في سبيل الله، ولا يبذل روحه في سبيل الله كما فعل راس النفاق غبد الله بن أبي بن سلول يوم غزوة أحد حيث انسحب بثلث الجيش.
إن كل من يزعم أنه مسلم وموحد لله تعالى فحسناته تذهب لأولئك الصحابة الذين فتحوا العالم وفي مقدمهم ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.  
ويزيدنا الصحابي الصغير أبو سعيد الخدري تأكيداً، وتحذيراً، فيروي لنا حديثاً في ذلك:
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لوأن أحَدَكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً، ما أدرَكَ مُدَّ أحدِهم، ولا نصيفه». متفق عليه( ).
ويحدثنا كذلك فيما رواه البخاري( ) عن حميد، قال: سمعت أنساً رضي الله عنه، يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال: (اللهم إن العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره)، فقالوا مجيبين له :
نحن الذين بايعوا محمداً *** على الجهاد ما بقينا أبداً
ويحدثنا أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يأتي على الناس زمانٌ، فيغْزُو فئامٌ من الناس، فيقولون: هل فيكم مَنْ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فَيفتحُ لهم.
ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئامٌ من الناس، فيقولون: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون نعم: فيفتحُ لهم.
ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئامٌ من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحبٍ صاحبَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقولون: نعم، فيفتح لهم». رواه البغوي وقال: هذا حديث متفق على صحته. والفِئام: الجماعات.
وروى الصحابي الصغير أيضاً أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل أصحابي في أمتي كالمِلح في الطعام، لا يصلُحُ الطعامُ إلا بالملحِ». رواه البغوي في شرح السنة ( 7/ 174).
ويوضح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة إظهار فضل أصحابه رضي الله عنه إذا نال أحد منهم، لأنهم أصحابه الذين رباهم وتعب في تربيتهم، فيغار عليهم، ويبغض من ينتقصهم، فهل أحد من الناس يرضى أن يسب صاحبه وحبيبه ومن فداه بروحه، ونشر دينه في الآفاق؟!! إنها من علامات الساعة وقربها: فروى ابن ماجه( ) عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله).
وفي رواية( ) بسند حسن: (إذا لعنت آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم ككاتم ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم).
وفي رواية( ): عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهرت البدع، وشُتم أصحابي؛ فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم حينئذ ككاتم ما أنزل الله).
ويحدثنا الفتى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن حب سيدنا علي بن أبي طالب للصاحبين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:
ففي صحيحي البخاري ومسلم واللفظ للبخاري( ) عن ابن أبي مليكة ، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : وضع عمر على سريره فتكنفه الناس ، يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم ، فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي ، فإذا علي بن أبي طالب فترحم على عمر ، وقال : ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت إني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ذهبت أنا وأبو بكر ، وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر ، وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر ، وعمر".
فالحب كان متبادل بين آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم فتزاوجوا فيما بينهم وسموا ذريتهم بأسماء بعضهم البعض، وما ذاك إلا دليل الحب الخالص بينهم، ومن شذ شذ في التار.

 

JoomShaper