محمد السيد عبد الرازق
ما هي المظاهر التي بوجودها يمكننا أن نصف أبناءنا بأنهم على أعتاب مراهقة؟
كيف نتصرف حيال تلك المظاهر التي نراها على أبنائنا حتى نحسن التعامل معهم؟
عزيزي الأب .. عزيزتي الأم ...
بل وأنت أيضا عزيزي الشاب أنت مخاطب معنا هنا ...
لقد حدد علماء النفس والخبراء في هذا المجال عدة مظاهر تنتشر بين أعداد كبيرة من الشباب والشابات تعتبر من سمات هذه المرحلة، وهي تبدأ في الفترة من 12 إلى سن 15 سنة، وتظهر بشدة في الفترة من سن 15 إلى 18سنة، وهي تختلف من واحد إلى آخر، ومن الصعب اجتماعها في واحد، وقد لا يوجد منها إلا مظهر واحد فقط، ومن المهم هنا التوجيه إلى حسن التعامل مع كل ظاهرة من الظواهر وتفهم دوافعها وأسبابها حتى يمكن تجنب أثارها السيئة والاستفادة بهذه المرحلة من النمو الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي التي يمر بها أبناؤنا وشبابنا , ويلزم هنا التنبيه إلى أن هذه المظاهر إذا أحسنَّا التعامل معها تبدأ آثارها في الانحسار والزوال في مرحلة الشباب (أي من سن 18 ـ 21 سنة).
هذه المظاهر هي:
(1) أحلام اليقظة وكثرة الشرود:
هذه أسهل وسائل الهروب من الواقع أو تحقيق الأحلام والأماني، ويختلف الشباب والشابات في التعامل مع أحلام اليقظة فتزيد النسبة في البنات عن الأبناء , ويستخدم الشاب والشابة أحلام اليقظة للتعبير عن الانفعالات التي لا يستطيع التعبير عنها في الواقع، أو تحقيق الرغبات و الأماني سواء منها صعب التحقيق أو غير ممكن التحقيق.
وهنا ينبغي على الأباء والأمهات التنبه أنه إذا كانت أحلام اليقظة لا علاقة لها بالواقع وليست دافعًا لمزيد من البذل والجهد لتحقيق هذه الأحلام فهي مضرة للغاية، إذ تستفرغ الطاقة وتبعد الشخص عن الواقع والحياة، وفي ذات الوقت تجد أن النمو الاجتماعي للشاب والشابة يسوء بشدة ، فلا بد للمربي ها هنا أن يفسح المجال في الواقع لتفريغ الانفعالات، والتعبير عن المشاعر في حدود الأدب، وكذلك فلتكن الأماني والأحلام والرغبات على أرض الواقع وليوجه الشاب والشابة إلى أن القيمة الحقيقية إنما تكون في تحقيق المراد على الأرض، لا التحليق وراءه في عالم السماء والأوهام.
(2) العصبية والثورة وشدة الانفعال:
ومرجع هذه العصبية في الأغلب إلى ارتفاع درجة الحساسية في التعامل مع الخطاب الموجه إلى الشاب والفتاة حيث تعامل معه المراهق باعتباره نقدًا موجهًا إلى ذاته ومنتقص من قدراته وكفاءاته، لذلك تجد الشكوى دائمًا في هذا الجانب يعبر عنها بـ"يثور لأتفه الأسباب".
وفي الحقيقة هي تبدو في ظاهرها تافهة لكن المراهق والمراهقة يتعاملان معها باعتبار أنها انتقاص أو استهزاء بقدراته وإمكاناته , ثم هو يضخم التصرفات والأفعال ويعطي لها أبعادًا من الحب والكره والقبول والرفض وهذا في الواقع هو السبب في رد الفعل العنيف على الأفعال والأقوال الموجهة إليه، أو المواقف التي يتعرض لها.
وهنا يلزم المربي أن يوصل رسالة واضحة إلى المراهق والمراهقة أنهما ليسا طرفي صراع، وأن يغلق الخطاب بخطاب الحب لا التملك، والتوجيه لا الأوامر المباشرة، ولفت الانتباه لا النصيحة الجارحة.
فهذا الأسلوب هو العامل الأمثل لتجاوز هذه الأزمة وتجنب السخرية والاستهزاء بالأفعال والأقوال الخاصة بالمراهق إذ هو أقصر الوسائل لخسارته وقطع وسائل الاتصال معه.
(3) الثقة بالنفس:
وهنا نحن بين إفراط وتفريط إذ إننا نعتبر أن زيادة الثقة بالنفس تعتبر في أحيان عديدة ظاهرة غير سوية وغير متزنة مثلها في ذلك كنقص الثقة بالنفس , وتعتبر زيادة الثقة بالنفس آفة ومظهرًا للمراهق إذا كان منبع الثقة بالنفس ليس سليمًا.
إن اعتقاد الشخص أنه على الصواب المطلق وهو في الحقيقة يعيش حياة لا يراعي فيها مبادئ ولا آداب، ويرتكب فيها كل محرم، ولا يستند إلى شرع ولا دين، ثم هو بعد ذلك يرى أنه ليس في الأرض مثله وأنه يحسن التعامل مع الناس ويضع القواعد ويقررها في تقريب الناس وإبعادهم، ولا يستند إلى شرع أو دين ولا تقاليد أو عادات إنما هي مجرد الهوى وإفراط في الثقة في النفس لا ينبني على واقع حقيقي.
وفي المقابل نقص الثقة بالنفس وظهور صفات مثل شك الشاب والشابة في نفسيهما وعدم قدرتهما على القيام بعمل بذاتهما، وهو إما أن يظهر لك هذه الآفة أو يحاول إخفاءها وراء أشكال وصور العناد التي يتعامل بها مع الأبوين ليهرب من الاضطرار إلى القيام بالعمل الذي يعتقده عجزه عن القيام به، ويلزم الأبوين والمربي هنا أمور:
أـ تكليف الشاب والشابة بالعمل المناسب للقدرات لإعطائه من النجاح ما ينفي تصوره الفاسد.
ب ـ التشجيع والدفع إلى التجربة وتعظيم قدر النجاح في العمل.
(4) الرغبة في التجديد، والملل، وعدم الاستقرار.
ولا بد هنا كما ذكرنا سابقًا من تفهم الدوافع الحقيقية للمظاهر التي نراها في سلوك المراهق والمراهقة حتى يحسن التعامل معها، فالملل هنا إنما ينشأ من عدم استقرار الشاب والشابة على شكل محدد واضح لصرف الطاقات الجديدة التي اكتسبوها في الانتقال من الطفولة إلى الرشد سواء الطاقات العقلية أو النفسية أو الاجتماعية أو الجسدية، ولا بد للأبوين هنا من الحرص على إعطاء تنوع جيد لوسائل تفريغ الطاقات في الاتجاه السليم ثم ترك الأمر للابن والابنة لاختيار مجال الإبداع وطريقة صرف الطاقة مع التوجيه والإشارة.
(5) الخجل وليس الحياء:
والخجل هو ما يتسبب في ترك الشخص لحقه فهذا مذموم شرعًا، ولا بد أن يوجه الابن والابنة إلى وجوب تحصيل حقوقهم وعدم التنازل عنها إلا برغبة خالصة نابعة من داخل الشخص لا نتيجة لبعض الضغوط الاجتماعية أو للشعور بعدم القدرة على تحصيلها، وكذلك الرضا بالإهانة والذل من علامات الخجل المذموم شرعًا , ولا بد هنا من التوجيه إلى الحفاظ على كرامة الإنسان وعدم الرضا بهذه الصور من الإهانة وغيرها.
(6) النزاع على السلطة ورفض الأوامر:
تزداد حساسية الأبناء بشدة للأوامر المباشرة خاصة من الأم باعتبار أنها الملاصقة لحياة الابن والابنة، فهي المطلعة على كل التصرفات وكلما ازدادت حدة الأوامر والتوجيهات وصاحبتها عقوبات وإهانة كلما قابلها الابن والابنة بمزيد من العناد والرغبة في التمرد واكتساب قدر من الحرية في التصرفات الخاصة.
فالحذر الحذر من اتباع وسائل العنف في التعامل ومقابلة رفض الأوامر بأوامر جديدة مصحوبة بعقوبات، وتفهم دوافع المراهق والمراهقة لرفض الأوامر، فقد يكون ذلك مرجعه إلى مجرد إثبات الذات وأنه قد أصبح من الكبار، فلا بد أن يخاطب خطابًا يليق به، وقد يكون الدافع هو شعوره الداخلي بعدم قدرته على أداء العمل ويحرص على إخفاء ذلك، أو شعوره الشديد بالكسل والضعف، ويكون هذا نابعًا من النمو الجسمي السريع فتزيد فترات نموه ويضعف عطاؤه، فتفهم الدوافع أخي المربي وأحسن توجيهها.
(7) ضعف الحيوية وانخفاض النشاط:
ابني اصبح خاملاً كسولاً نائمًا أغلب الوقت، توقف عن ترتيب غرفته، أهمل في دراسته، إن جزءًا كبيرًا من هذه الشكوى مرجعه إلى النمو الجسدي السريع الذي لا يستطيع المراهق أو المراهقة التكيف معه، فتظهر عليهم علامات الكسل والتراخي وكثرة النوم والإهمال في مناح كثيرة من حياتهم كانوا قبل ذلك يظهرون لها اهتماما كثيرًا.
فلابد هنا من التفهم وحسن المعالجة وتيسير العمل المطلوب والإعانة عليه حتى يصل المراهق والمراهقة إلى توصل لكيفية التعامل الأمثل مع النفس والجسد بعد هذا النمو السريع المفاجئ.
(8) التفرد والانعزال:
ولا تحتاج هذه الظاهرة منا إلى كثير وصف أو تشخيص لكنها تحتاج إلى التنبيه أنه يلزم الأبوين والمربي أن يتنبه إلى النار التي تحت الرماد، فكثيرًا ما تخفى هذه الرغبة القوية في التفرد والانعزال وساوس وأفكارًا غير سوية إذا لم يتم التعامل معها مباشرة ستثمر واقعًا مأسويًا يفاجأ به الأبوين بعد ذلك , إنه يلزم التنبيه أنه لا بد من علاقة حميمة قوية يتم بناؤها حتى تكسر حاجز التفرد والانعزال، لتخرج بالشاب والشابة إلى واقع الحياة بروح مقبلة مقدامة منتجة، ولا بد من توفير الشعور بالأمان النفسي مع القائم بهذا الدور من اختراق هذه العزلة.
ورقة عمل:
· علم ابنك تحمل المسئولية (فعندما يتقدم طفلك في السن، فإنك تعرض عليه المزيد من المسئولية لكي تساعده على تطوير نفسه تدريجيًا حتى يصبح راشدًا مستقلًا، وكأب، يجب عليك أن ترشده إلى التصرف بمسئولية كلما زاد استقلاله) [تنشئة المراهقين، لين هاجنز-كوبر، ص(41)].
· الرجولة في ضبط النفس فالوالد يلعب دور هام في توجيه ولده لكي يكون متحكمًا في نفسه وانفعالاته (فالمراهقين بحاجة إلى أسلوب ضبط نفس جيد في مواقف كالمواجهات مع المراهقين الآخرين أو الراشدين) [كيف تقولها للمراهقين، ريتشارد هيمان، ص(496-497)، بتصرف يسير].
المصادر:
·كيف تقولها للمراهقين، ريتشارد هيمان.
·تنشئة المراهقين، لين هاجنز-كوبر.
ابن مراهق
- التفاصيل