سحر شعير
أصبحت التربية القويمة في وقتنا الحاضر عملاً شاقاً، يحتاج إلى جهد كبير وتركيز من المربي؛ لأن المطلوب ليس هو تربية الأبناء فقط، ولكن منحهم المناعة الكافية التي يواجهون بها القيم السلبية الموجودة في المجتمع، والتي تمثل بدورها اتجاهاً معاكساً للاتجاه الذي يعمل فيه المربي، نظراً لسهولة وصولها للأبناء عبر وسائل الإعلام المختلفة، أو من خلال رفقاءٍ قد تأثروا بتلك السلبيات، فينقلوها لهم كعدوى الأمراض تماماً.
ومن هذه القيم التي اجتمعت عليها عوامل هدم كثيرة: خلق: "احترام الكبير، وتقديره ومخاطبته بأدب"، فباتت الأجيال الجديدة وكأنها غير مقتنعة بكبرائها، ولم تألُ وسائل الإعلام جهداً في تغذية هذا التصور لدى الناشئة، فصورت الأبناء دائماً يعانون من قهر الوالدين وتسلطهم، وبالتالي فهم في حالة من التمرد المُبَرّر ضدهم.
عزيزي المربي:
إنّ اكتساب الأبناء لأىٍّ من الأخلاق الفاضلة،لا يأتي أبداً بالتلقين الشفهي وحده دون معايشة الإبن لهذا الخُلق في مواقف عديدة، يرى ويسمع والداه يتخلقان به، ويؤدّبَانه عليه، فينطبع في نفسه أنه لا يصلح ولا يصح إلا التصرف بهذا الشكل في تلك المواقف. وعندما نتكلم عن احترام الكبير كخُلق رئيس لأى شخصية مهذبة، فإننا نتكلم عن أصل من الأصول الخُلُقية التي ربّى عليها النبىّ صلى الله عليه وسلم الكبير والصغير، بل هو وحىٌّ من عند الله تعالى،أُمِرَ به صلى الله عليه وسلم،فعن ابن عمر رضي الله عنه أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قال:أراني في المنام أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبِّر! فدفعته إلى الأكبر منهما". رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أنزلوا الناس منازلهم"، وفي رواية: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم"رواه أبو داود، وضعفه عدد من العلماء منهم الألباني، وذكره مسلم في مقدمته معلقا.
كما أرانا النبىّ صلى الله عليه وسلم من نفسه التزاماً رائعاً بهذا الخلق:
عن أم المؤمنين عائشة  قالت:"كان النبى صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه وبجنبه أبو بكر وعمر، فأقبل العباس فأوسع له أبو بكر، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "إنما يعرف الفضل لأهلِ الفضل أهلُ الفضل"، ثم أقبل العباس على النبىّ يحدثه فخفض النبىّ صلى الله عليه وسلم صوته شديداً، فقال أبو بكر لعمر: قد حدث برسول الله علة قد شغلت قلبي. فمازال العباس عند النبي حتى فرغ من حاجته وانصرف، فقال أبو بكر يا رسول الله: حدثت بك علةٌ الساعة؟ قال: لا. قال: فإنّي رأيتك قد خفضت صوتك شديداً  قال: "إنّ جبريل أمرني إذا حضر العباس أن أخفض صوتي، كما أمركم أن تخفضوا أصواتكم عندي" أخرجه ابن عساكر في الكنز،ج7،ص:68.(عبد الرشيد صقر:سلبيات الحركة الإسلامية وعلاجها،ص:116).

كما كان صلى الله عليه وسلم يعامل الصغار باحترام وتقدير:
تذكُر عائشة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها شيئًا من هذا فتقول: "ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ برسول الله  سَمتًا ولا هَديًا مِنِ ابنتِه فاطمة رضي الله عنها، قالت: وكانت إذا دَخَلت على النبيِّ  قام لها وقبَّلها وأخذ بيدِها وأجلسَها مجلِسَه"رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني، وكان إذا دَخَل عليها تقوم لأبيها النبيّ  وتقبّله وتُقعِده في مجلسها رضي الله عنها وأرضاها.
ويعلمنا  أنّ قانون "الجزاء من جنس العمل" ينطبق على هذا الخلق أيضاً:
فقد بيِّن لنا نبيُّنا  أنَّ مَن أحسن إلى الكبيرِ وهو صغير،هيَّأ الله له عند كِبَر سنِّه ورقَّةِ عَظمه من يجازيه بهذا العمَلِ الصّالح، فيقول  :"مَا مِن مسلمٍ يكرِم ذا الشَّيبةِ إلاَّ قيَّض الله له من يكرِمه في سِنِّه"(عبد الله ناصح علوان، تربية الأولاد في الإسلام،ص:413).

وعلى نفس المنوال ننسج:
فيعلّم المربي ولده أنّ: الكبير هو كل من كان أكبر منك سناً، وأكثر منك علماً، وأرفع منك تقوى وديناً، وأسمى جاهاً وكرامة ومنزلة...
فهؤلاء إنْ كانوا مخلصين لدينهم، معتزين بشريعة ربهم، فيجب على الناس أن يعرفوا لهم فضلهم، ويؤدوا لهم حقهم، ويقوموا بواجب احترامهم؛ امتثالاً لأمر النبىصلى الله عليه وسلم الذي عرّف المجتمع فضلهم، وأوجب على الناس حقهم.(عبد الله ناصح علوان:تربية الأولاد في الإسلام:413).
ولا يزال المربي الحريص على تأديب ولده، يبرز له صور احترام الكبير من خلال تطبيقه هو  لها مع الجد والجدة، في القيام لهما إذا أقبلا عليه والترحيب بهما وتقبيل أيديهما، وأن يأمر ولده أن يفعل مثله تماماً معهما، وهناك أمور أخرى يبرزها المربي لولده، خاصةً عندما يتهيأ لها الموقف المناسب لتطبيقها والإشارة إليها،مثل:

- إنزال الكبير منزلته اللائقة به:
كأن يستشار في الأمور، ويقدّم في المجلس، ويبدأ به في الضيافة، فعن شهاب بن عبّاد أنّه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فاشتد فرحهم، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا، فقعدنا، فرحّب بنا النبي صلى الله عليه وسلم،ودعانا، ثمّ نظر إلينا، فقال: من سيدكم وزعيمكم؟ فأشرنا جميعنا إلى المنذر بن عائذ..فلمّا دنا منه المنذر أوسع القوم له حتى انتهى إلى النبي  فقعد عن يمين رسول الله ، فرحّب به وألطفه، وسأله عن بلادهم"(رواه الإمام احمد بإسناد صحيح عن شهاب بن عباد).

- البدء بالكبير في الأمور كلها:
كأن يتقدم الكبير على الصغير في صلاة الجماعة، وفي التحدث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء عند التعامل، فعن أبي يحيى الأنصارىّ قال:انطلق عبد الله بن سهل ومحّيصة ابن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صُلح، فتفرقا فأتى محّيصة إلى عبد الله وهو يتشحط  في دمه قتيلاً ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحّيصة وحوّيصة ابنا مسعود إلى النبىّ، فذهب عبد الرحمن يتكلم،فقال :"كبِّر كبِّر"(أى يتكلم الأكبر سنّاً)، وهو-أى عبد الرحمن- أحدث القوم –أى:أصغرهم سنّاً-.(رواه الشيخان عن أبي يحيى الأنصاري) (عبد الله ناصح علوان،تربية الأولاد في الإسلام،ص:413،414).

- تقبيل يد الكبير:
ويختص بهذا الأدب الوالدين والأجداد والجدات، والمعلم الرباني، وذي السلطان المقسط، وكل من كان من أهل الفضل الأكابر.
وهذه العادة من شأنها تعويد الولد على التواضع والإحترام وخفض الجناح وإنزال الناس منازلهم،عن الوازع بن عامر رضي الله عنه قال: قدمنا، فقيل ذلك رسول الله، فأخذنا بيده ورجليه نقبلها.
وعن صهيب رضي الله عنه قال:رأيت علياً يقبل يد العباس ورجليه.(رواهما البخاري في كتاب الأدب المفرد).
وليكن الاحترام متبادل بين المربي وأبنائه:
حتي يتكامل في أذهانهم وواقعهم تطبيق هذا الخلق، فينطبعون على أنّ التعامل السليم لا يكون إلا باحترام متبادل، مع زيادة التقدير في حق الكبيرعلى الصغير، وزيادة العطف والحنوّ في حق الصغير على الكبير.

JoomShaper