البلاغ
يُثير المشاكل نتيجة سلوكه
عندما نسمع عبارة: طفل مفسد يتبادر إلى أذهاننا فوراً الطفل المدلل، الذي يملك كمية كبيرة جدّاً من الألعاب والثياب وأشياء أخرى. ولكن الحكم على الطفل إن كان فاسداً لا يعتمد على ما يملك فقط، بل على تصرفاته أيضاً، وهذا هو الأهم.
إنّ الطفل المفسد (ويُعرف أيضاً بالطفل المزعج) هو الطفل الذي يُثير المشاكل نتيجة سلوكه السيئ، الناجم عن إفراط الأهل في تدليله. وهو طفل متطلب، غير عقلاني، يظن أنه شخص عظيم بسبب ما يملك، نرجسي، أناني، يتصرف بحماقة مع الآخرين وحتى مع أمه، لا يحب المشاركة، يرفض أن ينتظر دوره. لذا، فإنّه يطالب بأن يكون دائماً في بداية الصف، لا يرد على أسئلة الأُم ويتجاهل تعليماتها، ويصعب عليه التعامل مع الإحباط، خاصة عند فشله في التواصل مع أنداده أو في إنجاز عمل ما. على الرغم من هذه الصفات، لا يُعتبر الطفل المفسد مريضاً ذهنياً. قد يسهل التعامل مع الطفل المفسد عند نيله كل ما يريد. ولكن إذا لم تُلبّ طلباته فإنّه يشعر بالعزلة والارتباك، ويُثير عاصفة من البكاء والعويل، ويضرب الأرض بقبضته الصغيرة. لذا، يلجأ معظم الأُمّهات إلى إعطاء الطفل كل ما يرغب لترتاح الواحدة من بكائه وغضبه. قد تكون نيّة الأُم حسنة في هذه الحالة، لكن نتائج مثل تصرُّف كهذا تكون كارثيّة على الطفل على المدى البعيد. إذ يمكن أن يستمر الطفل المفسد على حاله حتى بعد أن يصبح في سن البلوغ. والبالغ المفسد يجد صعوبة في عقد الصداقات وإيجاد فرص عمل وبناء حياة مستقبلية.
إذا كان الطفل مفسداً، فالسبب يعود غالباً إلى الأهل في الدرجة الأولى، ثمّ إلى المجتمع الذي أصبح يوفر له كل وسائل الترفيه والتقنيات المتطورة، إضافة إلى وسائل التواصل التي تُسهّل عليه الاتصال مع أي شخص في أي مكان. إنّ تكليف الطفل القيام بأعمال عديدة، وتنشئته على تحمّل المسؤولية يساعدانه على تعلّم تقدير الجهد واحترام الآخرين. كما أن إصرار الأُم بشدة على الأخلاق الحميدة وعلى غرس القيَم في طفلها، يجعلانه يُدرك أنّ التصرفات الحمقاء والسيئة غير مقبولة إطلاقاً.
هل تشعر الأُم بالإحباط والهزيمة أمام طفلها المفسد؟ بالتأكيد نعم. ولكن، يجب أن لا يغيب عن ذهنها أنه لا يزال في إمكانها ضبط ولجم تصرفات طفلها الفاسدة. ففي نظر التربويين أن معظم الأُمّهات يُدركن ما إن كان أطفالهنّ مفسدين، إلا أنّهن يشعرن بالعجز لعدم معرفتهنّ كيفيّة معالجة الأمر. قد تساعد هذه الخطوات الأُم في التوقف عن إفساد طفلها.
1- التعهد بصدق التوقف عن إفساد الطفل: يجب أن تتعهّد الأُم بتنفيذ هذه المهمة وأن تلتزم بتعهدها. فإذا كانت مترددة، عليها أن لا تبدأ في هذه الخطوة الناقصة، لأنّها لن تنجح في عملها إلا إذا كانت صادقة حقاً في التوقف عن إفساد طفلها. مثلاً، إذا كانت الأُم تريد أن يقوم طفلها بجمع ألعابه وترتيب غرفته، يجب عليه أن يؤدي المهمة بشكل صحيح. فإذا اكتفى الطفل بجمع لعبة أو لعبتين فقط، وتغاضت الأُم عن تقاعُس طفلها في إنهاء مهمته، فإنّها بذلك تزيد الأمر سوءاً. فالأُم التي تكون جادة في تعهّدها تلمس تحسناً واضحاً في تصرف طفلها خلال وقت قصير. إذ لا يحتاج الطفل البالغ عشر سنوات من العمر، إلى عشر سنوات ليتحول إلى النقيض. فالطفل ذكي ومَرن ويرغب في أن ينمو بشكل صحيح.
2- إعداد الطفل لتحمل المسؤولية: على الأُم أن تُعد طفلها لتحمّل مسؤوليات متعددة، وأن تشغله بعمل يومي روتيني. عليها أن تساعده على إيجاد عمل بسيط يكسب منه ما يساعده على شراء ما يرغب في الحصول عليه. فالطفل يستمتع بألعابه بجميع أشكالها وألوانها أكثر، إذا أسهم في ثمنها من ماله الذي يكسبه، كما يتعلم في الوقت نفسه أنّ الإنسان لا يحصل على أي شيء إلا ببذل الجهد.
3- تشجيع الطفل على تحمّل نتائج أعماله: يجب أن تشجع الأُم طفلها على تحمّل نتائج أعماله، وأن تتجنب إيجاد المبررات لتصرفاته. لأنّها إذا قامت بتبريرها، فإنّها تدفعه إلى الاستمرار في ارتكاب الحماقات والتصرفات السيئة. وعليها أيضاً ان تسمح لطفلها بأن يجني النتائج الطبيعية لأعماله، ليتعلم أنّه الوحيد المسؤول عن ردود فعل الآخرين حيالها.
4- وضع قوانين أخلاقية مشددة: على الأُم أن تتشدد في القوانين الأخلاقية والتصرفات الحميدة التي تعتمدها، ولا تتسامح أبداً مع التصرفات الحمقاء والسيئة. من الضروري أن تكون الأُم صارمة في هذا المجال. يجب أن تشجع طفلها على تحسين سلوكه وأن تمدحه كلما كان تصرفه حسناً. ولكن، يجب أن تكون محددة في مدحه حتى يعرف أن أمه تُدرك أن تغييراً طرأ على تصرفه ومواقفه. إنّ التركيز على النقاط السلبية في تصرف الطفل، يولّد لديه في الأغلب الشعور بالامتعاض، ويؤدي به إلى القيام بتصرف أكثر سوءاً. على الأُم أن تغذي الجوانب الإيجابية لدى طفلها، ليتمكن من خلق ترابُط إيجابي بين السلوك المناسب وردّ فعلها حيال تصرفه.
5- التركيز على القيمة الذاتية: على الأُم أن تبلّغ طفلها أهمية معرفة قيمته الذاتية بناء على ذكائه، واهتماماته، وآرائه ومعتقداته، لا على ما يمتلك وعلى مكتسباته. يمكن أن تساعد الأُم على تعميق هذا المفهوم عند الطفل، من خلال التقليل من قيمة الأشياء والتركيز على قيمة احترام الذات. عليها أن تشجع طفلها على إدراك قيمته الذاتية، عبر الحديث عن الأعمال التي يتقنها والأشياء التي يُجيدها والقيَم التي يقدّرها.
6- استبدال التهديدات الفارغة بتعليمات واضحة ومختصرة: من المعتاد أن تقول الأُم لطفلها: "توقف عن مثل هذا التصرف. هذا آخر تنبيه". إن كل الصراخ والعد إلى العشرة والتهديدات لا تُجدي نفعاً، لأنّ الأُم درّبت طفلها على أن يتجاهل تعليماتها وتغاضت عن ذلك لفترة طويلة، فأصبح الطفل يعرف أنّه في نهاية الأمر هو الذي يفوز. على الأُم أن لا تقول لطفلها إلا ما تعنيه. فقوة التعليمات تنبع من الالتزام بها، وفي هذه الحالة لا تحتاج الأُم لا إلى الصراخ ولا إلى التهديد.
7- اتّباع أساليب تربوية متناغمة ومنطقية: إنّ للأفعال وقعاً أقوى من الكلمات. إذا لم يتزم الطفل بتنظيف أسنانه أو التوقف عن اللعب بألعاب الفيديو أو الذهاب إلى فراشه، على الأُم أن لا تهدده أو تحذره، بل أن تكتفي بالامتناع عن تدليله ومُعانقته لمدة 42 ساعة. وإذا رفض وضع ألعابه في مكانها، عليها أن تُخفيها عن أنظاره لفترة من الزمن. في البداية، يمكن أن يبكي الطفل ويثور غاضباً، لكن على الأُم أن لا تستسلم لغضبه. إذ إنّ الطفل في حاجة إلى أن يعتاد على التعامل مع الحدود والقوانين المنطقية، من دون أن يشعر بأنّه مهمَل ومرفوض وغير محبوب.
8- تجنب المبالغة في حماية الطفل: هل يتأخر طفلك عن مدرسته دائماً؟ يجب التوقف عن الشكوى والتذمّر وتركه يتحمل نتائج تأخره الدائم. لأن معظم الأُمّهات يُسارعن إلى التدخل وإنقاذ الطفل. ما لم يكن الطفل معرضاً لخطر ما، عليها أن تدعه يقلق من نتائج ما ارتكب من أخطاء.
9- عدم الإفراط في تدليل الطفل مادياً: تُمطر معظم الأُمّهات أطفالهنّ بالهدايا، من دون تردد أو التفكير في نتائج تصرفهنّ. إن إفساد الطفل بالألعاب والملابس والأدوات الإلكترونية، يحرمه من أهم درس يمكن أن يتعلمه في الحياة، وهو إدخار بعض المال لحين الحاجة. إذا حصل الإنسان على كل شيء، فإنّه لن يتعلم الإقرار بالفضل. وإذا لم يتعلم الانتظار، فإنّه لن يعرف الصبر.

- كيف تُدرك الأُم أنها تُفسد طفلها؟
هناك أخطاء عديدة يمكن أن ترتكبها الأُم، تؤدي إلى إفساد الطفل، منها:
* التركيز على أهمية الطفل: إذا جعلت الأم طفلها يشعر وكأنّه مركز الكون، وإذا ركزت على رغباته فقط وبذلت كل ما تستطيع لتلبيتها، يظن الطفل أنّ العالم يدور من حوله. قد يمنعه هذا الإحساس من الأخذ في الاعتبار حاجات ورغبات الأطفال الآخرين. يجب أن يدرك الطفل مفهوم الأخذ والعطاء، لأنّه عندما لا يعرف إلا الأخذ فإنه يميل إلى الشعور بالقلق والارتباك، لو طُلب منه أن يعطي مما عنده الأطفال الآخرين.
* إهمال التصرف الإيجابي: قد لا تنتبه الأُم بسبب انشغالها الدائم بأمور كثيرة في أيامنا هذه، إلى تصرفات طفلها الإيجابية، أو إلى لعبه بهدوء، أو إلى عدم إثارته أي مشاكل. إذا لم تلاحظ الأُم تصرفات طفلها الإيجابية، ولم تدعه يشعر بأنّها مسرورة من سلوكه، تفقد فرصة دعم وتعزيز هذه التصرفات عند الطفل.
* مكافأة الطفل على تصرفه السلبي من غير قصد: ترتكب معظم الأُمّهات خطأ تجاهل التصرف الإيجابي ومكافأة التصرف السلبي في الوقت نفسه. فإذا كانت الأم لا تكترث لطفلها إلا عندما يبكي ويصرخ، يعتقد الطفل أن غضبه ودموعه هما الوسيلة الوحيدة للفت انتباه الأُم.
* الفشل في وضع حدود واضحة لتصرف الطفل: إذا لم تضع الأُم دليلاً يبين للطفل التصرف الجيد وتشدد عليه، فقد يصبح شرساً، لا يتعاون ولا يحترم أحداً عندما يكبر. من الطبيعي أن لا يكون الأطفال الصغار مهذبين. وجزء من مهمة الأُم أن تعلم طفلها الفضائل الاجتماعية مثل الصبر والاحترام.
* عدم إلزام الطفل بالقوانين: في حين تفشل بعض الأُمّهات في وضع حدود لأطفالهنّ، تعتمد أُمّهات أخريات قوانين متضاربة. مثلاً، قد تطلب الأُم من طفلها بأن لا يقوم بعمل ما، لكنها تعود وتسمح له بالقيام به كيفما اتفق، أو تسمح للطفل بالعبَث في طعامه أحياناً ولا تسمح له أحياناً أخرى، أو تسمح للطفل الأكبر سنّاً بخرق قانون عدم الخروج ليلاً، بينما لا تملك الأُم القدرة على منعه من خرق القانون. ما لم تؤكد الأُم القوانين وتشدد عليها، قد يعتبرها الطفل غير مهمة، على الرغم من أهميتها في نظرها هي.
* تجنب الدخول في معارك خاسرة مع الطفل: يمكن أن تكسب الأُم معارك حول أمور بسيطة، مثل رفض إعطاء طفلها حلوى، أو السماح له بمشاهدة التلفزيون. لذا، من غير الضروري وضع قوانين بخصوصها. ولكن هناك معايير عديدة أخرى من الصعب تنفيذها، مثل إجبار الطفل على تناول صنف معيّن من الطعام، لأنّه قد يغلق فمه أثناء محاولة الأُم إجباره على تناوله، أو قد يبصقه. في هذه الحالة، من المؤكد أن تخسر الأُم المعركة قبل أن تبدأ. ومن سوء الحظ، تفوق نتائج هذه الخسارة، خسارة عدم تناول الطفل الطعام. إنّ الدخول في معارك خاسرة، يُبرهن للطفل على أن في إمكانه هزيمة أمه والنجاة بفعلته.
* عدم محاسبة الطفل على أخطائه: إنّ عدم محاسبة الطفل على أخطائه يُعتبر بمثابة رسالة خاطئة. لأنّه يمكن أن يوحي له بأنّه لم يرتكب خطأ أبداً، الأمر الذي يدفعه إلى لوم الآخرين عند حدوث أي مشكلة بدلاً من لوم نفسه. لذا، على الأُم أن تعلّم طفلها تحمّل نتائج أعماله، وأن تتأكد من أنّه بالفعل يتحمل المسؤولية، من خلال القوانين الصارمة التي تعتمدها.
* تقديم هدايا للطفل من دون مبرر: ليس مهمّاً أن تشتري الأُم هدايا وألعاباً لطفلها، المهم أسباب شرائها. على الأُم عدم شراء أشياء لا لزوم لها. مثل: شراء لعبة جديدة لطفلها لمجرد أنه مَلّ اللعبة القديمة التي اشترتها له قبل شهور قليلة. من الأخطاء الشائعة الأخرى، شراء الأُم هدايا لطفلها بسبب شعورها بالذنب نحوه. من غير المناسب أن تقدم الأُم هدية لطفلها كلما ظهرت علامات الحزن على وجهه، أو كلما تفوه بكلام سيئ في حقها، مثل قوله: "أنت أسوأ أم في الوجود". إنّ السماح للطفل باستغلال الأُم لا يُفيده بشيء إطلاقاً. قد يحصل على ما يريد، لكن شعوره بالفرح يزول عندما يُدرك أنّه حصل على ما حصل عليه عن طريق الاكراه.
* الاستسلام لغضب الطفل: إنّ تردد الأُم في معاقبة الطفل على غضبه وتصرفه السيئ، هو بمثابة مكافأته على خطئه. لأنّه يُثبت للطفل أن في إمكانه الحصول على ما يريد، حتى لو قام بتصرف لا يتماضى مع قوانين الحياة اليومية. على الأُم ألا تغضب لأن غضبها يؤدي إلى نتائج وخيمة.
* تصرف الأُم نفسها كطفل فاسد: إنّ طريقة تعامل الأُم مع أفراد عائلتها، يقدم نموذجاً عن كيفية تصرف طفلها مع الآخرين. فإذا اشتكت الأُم أو تبرّمت من شيء ما فإنّها تقدم مثالاً سيئاً لأطفالها، لأنّهم سيقلدونها في تصرفها. وكما يقول المثل: إنّ الطفل يفعل ما تفعله الأُم لا ما تقوله.
إنّ إفساد الطفل بتدليله يؤدي إلى نتائج تفوق نتائج عدم ضبطه. من أهم النتائج التي يمكن أن يواجهها الطفل المفسد طوال حياته، عدم القدرة على إنجاز عمل ما، حتى لو كان راغباً في إنجازه، نتيجة عدم تعليمه كيفية إنجازه، وعدم تعليمه أخلاقيات العمل. فإذا كان في إمكان الطفل الحصول على ما يريد، عن طريق ابتزاز الأُم، فإنّه لن يتعلم كيفية التعامل مع الآخرين. وهذه عادة يحتاج الطفل إلى تدريب طويل جدّاً لكي يكتسبها.

JoomShaper