عمر السبع
اشتد لهيب الشمس في تلك البقعة من صحراء مكة، وخلت الصحراء أو كادت من كل مظهر للحياة.
وهناك على مرمى البصر تتحرك في اضطراب وخوف امرأة حائرة، تضم رضيعها إلى صدرها وقد علا نحيبه، وقلبها يتمزق مع كل دمعة تذرفها عيناه الصغيرتان.
تنظر حولها فلا ترى إلى الرمال، صحراء قاحلة قاسية تحيط بها من كل جانب، جبال وهضاب بلا أي أثر لزرع أو ماء، والخطر المجهول يطل بارزًا من بين ثناياها.
الطفل يبكي، والأم تسعى وتهرول علَّها تجد شيئًا تسد به رمقه، وترحم به دموعه التي تكاد تجف من حرارة الشمس الملتهبة.
تدور في عقلها آلاف التساؤلات، ولكنها تحوم حول حقيقة واحدة ترسخت في وجدانها، فملأت نفسها ثقة ويقينًا؛ وهي أن الله لن يضيعها ووليدها أبدًا.
ولأن الله لا يضيع أهله أبدًا؛ فقد تفجَّر الماء تحت ملك كريم أرسله الله رحمة لهذه المرأة الصالحة ورضيعها، فشربت حتى ارتوت وسقت فلذة كبدها.
إنها أمُّنا هاجر عليها السلام، ورضيعها هو إسماعيل ولد إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
هذا المشهد المعبِّر الموحي رسمه لنا حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، في الحديث الذي رواه عنه البخاري فقال: (أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة، فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك.

ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أمُّ إسماعيل فقالت: (يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟)، فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: (آلله الذي أمرك بهذا؟)، قال: (نعم)، قالت: (إذًا لا يضيعنا).

ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، فقال: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: ٣٧].

وجعلت أمُّ إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى ـ أو قال يتلبط ـ فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا.

فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فذلك سعي الناس بينهما).

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك، عند موضع زمزم، فبحث بعقبه ـ أو قال بجناحه ـ حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف.

قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أمَّ إسماعيل؛ لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عينًا معينًا)، قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله) [رواه البخاري].

(إنها بذور التضحية والفداء التي غرسها إبراهيم عليه السلام في نفس ولده إسماعيل، ومن قبلها أودعها الله تعالى نفس نبيه إبراهيم، وسقاها بالإيمان فتعاظمت النبتة واستوت على سوقها، لتظهر يافعة ناضجة في مشهد أشد غرابة وأكثر تعميقًا لتلك المعاني الرقراقة الندية، التي تفوح من سيرة أبينا إبراهيم عليه السلام) [الفداء العظيم، محمد السيد عبد الرازق].

الذبيح يُكمل الأنشودة:

إنه مشهد الذبيح إسماعيل عليه السلام شبل التضحية، الذي نما وترعرع على هذه المعاني السامية؛ فصار شابًّا يافعًا يسرُّ الناظرين، يرضي أباه ولا يعصيه في شيء البتة.

ويفاجأ بتلك المقولة التي ساقها إليه والده بكلمات تقطر رضا بأمر الله وتسليمًا لحكمه وقضائه: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: ١٠٢].

(يالله! ويا لروعة الإيمان والطاعة والتسليم، هذا إبراهيم الشيخ، المقطوع من الأهل والقرابة، المهاجر من الأرض والوطن، ها هو ذا يُرزق في كبرته وهرمه بغلام، طالما تطلع إليه، فلما جاءه جاء غلامًا ممتازًا يشهد له ربه بأنه حليم.

وها هو ذا ما يكاد يأنس به، وصباه يتفتح، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة، ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد، حتى يرى في منامه أنه يذبحه، ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية، فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم.

نعم إنها إشارة، مجرد إشارة، وليست وحيًا صريحًا، ولا أمرًا مباشرًا، ولكنها إشارة من ربه، وهذا يكفي، هذا يكفي ليلبِّي ويستجيب، ودون أن يعترض، ودون أن يسأل ربَّه، لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!

ولكنه لا يلبِّي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب، كلا، إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء، يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/188)].

كلمات لا تخرج إلا من قلب سلم زمامه لربه وخالقه؛ فصارت التضحية هي ديدنه وعادته، لا يرى بأسًا من بذل مهجته وأعز ما يملك حين يطلب منه ربه ذلك.

(كلمات المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه، وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه!

والأمر شاق ما في ذلك شك، فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة، ولا يطلب إليه أن يكلِّفه أمرًا تنتهي به حياته، إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده، يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه، وهو مع هذا يتلقَّى الأمر هذا التلقِّي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/188)].

وتخرج الإجابة من فم الابن البارِّ المطيع؛ لتكمل المقطوعة الأخيرة من أنشودة التضحية والفداء التي علَّمه إياها والده؛ فيجيب إسماعيل عليه السلام: { قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

(وهنا كان إبراهيم وإسماعيل قد أدَّيا، كانا قد أسلما، كانا قد حقَّقا الأمر والتكليف، ولم يكن باقيًا إلا أن يذبح إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه، وهذا أمر لا يعني شيئًا في ميزان الله، بعدما وضع إبراهيم وإسماعيل في هذا الميزان من روحهما وعزمهما ومشاعرهما كل ما أراده منهما ربهما، كان الابتلاء قد تم، والامتحان قد وقع، ونتائجه قد ظهرت، وغاياته قد تحققت) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/190)].

ونجح إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام نجاحًا ساحقًا؛ { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: ١٠٣–١١١].

منظومة متكاملة من البذل والعطاء، رسخ قواعدها خليل الله مع زوجته هاجر حين وضعها في الصحراء مع رضيعها استجابة لأمر ربه، وشيدت بنيانها هاجر بثقتها بموعود الله وأنه لن يضيعها، ثم عاد إبراهيم عليه السلام ليكمل البنيان بطاعته لربه في التضحية بفلذة كبده، وختمها إسماعيل بامتثاله لأمر الجليل عز وجل.

الجزاء من جنس العمل:

لهذه التضحيات الجسام التي قدَّمها إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ذلك المربي العظيم الذي كان قدوة في التضحية والفداء، وعلم ولده تلك القيمة العظيمة؛ خلَّد الله ذكره ورفع شأنه في العالمين، فكان هو خليل الله الذي يسير على خطاه المفلحون: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: ١٢٥].

وكان وحده أمة بأكملها: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: ١٢٠]، ومن بركته جعل الله في ذريته الملك والحكمة: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: ٥٤].

كيف تغرس التضحية في طفلك؟

حاول (أن تشجع طفلك على الثقة بنفسه من خلال الثناء على سلوكه حين يقوم بمفرده ببعض الأعمال البسيطة، كلاحديث إلى أطفال لا يعرفهم في الحديثقة أو اللعب معهم

ـ تجنب أن تقول ليس هناك ما يدعو لهذا الخوف والخجل، إذا ظللت هكذا لن يحبك أحد، هيا يا أحمد أرجوك، كل تلك الكلمات التي تتوسل بها إلى ابنك لكي يصبح أكثر ثقة في نفسه ليس لها أدنى جدوى، وإنما الأفضل أن تدربه على التحدث مع الآخرين دون خوف أو خجل.

ـ كما يمكن أن تنمي ثقة الابن بذاته من خلال إبداء نقاط قوته "بني لقد كنت دائمًا قادرًا على فعل الأشياء الجيدة والقيام بالأعمال الصحيحة، إنني فخور لك وأنت أيضًا يجب أن تفخر بنفسك".

إذا وجدت لديك نقصًا في معرفة شيء فلا تظن أن أحدًا من البشر لديه المعرفة الكاملة عن كل شيء ولا تظن أن أحدًا يملك الحس الذي لا يخطئ) [اللمسة الإنسانية، محمد محمد بدري، ص(309)].

المصادر:
·اللمسة الإنسانية، محمد محمد بدري.
·الفداء العظيم، محمد السيد عبد الرازق.
·في ظلال القرآن، سيد قطب.

JoomShaper