د. راغب السرجاني
الحقيقة أن للتربية جوانب عديدة، والإسلام لم يقتصر فيها على جوانب العبادة والأخلاق، بل امتدَّ ليشمل الجانب العقلي والاجتماعي والبدني، فهدف الإسلام أن يخرج طفلا سويا ينمو عقله مع جسده، وتنمو كذلك أخلاقه مع عَلاقاته الاجتماعيَّة، ومن هذه التربية ما يلي:
1- التربية الإيمانية العبادية:
وتكون هذه التربية بتوجيه عواطف الطفل ومشاعره نحو حُبِّ الله وحُبِّ رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك نزرع في قلوبهم الخوف من الله؛ لأن الحُبَّ يؤدِّي إلى طاعة الله، والخوف يؤدِّي إلى البُعْدِ عن المعاصي والذنوب، ونحدَّثه عن الجنة والنار، فغالبًا ما يستهوي الأولاد هذه الحكايات، ونخبرهم أن محبَّتنا لله تنشأ من احتياجنا إليه نحن وآبائنا، فكل شيء بيده سبحانه وتعالى، وهذا ما يدفعنا أيضًا نحو شكره على نعمه.
ويعمل المربِّي على غرس الإيمان الحقيقي في نفوس الأطفال الذي هو سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونأخذ بيد الطفل إلى العبادة بالتدريج، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نُعَوِّدَ الطفل على الصلاة وهو في السابعة من عمره، ونضربه على التخلُّف عنها في العاشرة، ونُعَوِّدُهُ على الصدقة بأن نُعطي له الصدقة ليضعها مثلاً في صندوق المسجد المخصَّص للصدقات والزكاة، وكذلك الصوم وكان الصحابة رضوان الله عليه يُعَلِّمون أبناءهم الصوم ويعطونهم ما يلعبون به لينسوا الطعام وذلك ليتدرَّبوا على الصيام، وبذلك تسير الخطى نحو غرس هذه العبادات في نفوس الأطفال.
2- التربية البدنيَّة:
المقصود بالتربية البدنيَّة هي الاعتناء بالجسم؛ وذلك ليكون سليما، فبالإضافة إلى الاهتمام بالعضلات وبالحواس، يجب الاهتمام بالطاقة الحيوية المنبثقة من الجسم والمتمثِّلة في مشاعر النفس، وطاقة الدوافع الفطرية والنزعات والانفعالات، حيث يراعي الإسلام أمرين هامَّين:
مراعاة الجسم من حيث هو جسم يحتاج إلى الغذاء الجيِّد والمسكن الصحِّيِّ، والراحة والنوم الجيِّد والحصانة من الأمراض.
وتوفير الطاقة الحيويَّة اللازمة لتحقيق أهداف الحياة، وهي أهداف تشمل كيان الإنسان كله.
ولا بُدَّ من تعويده على ممارسة الرياضة كالعدو، والسباحة، والرمي، وركوب الخيل، وغيرها، لما لها من أهميَّة في بناء جسد الفرد، وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أُحُد مَن كانت له قدرة على الرمي وهو ما زال فتى يانعا، وكذلك أجاز مَن صرعه، وذلك يدلُّ على أهميَّة بناء البدن، وأوصى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليم الأولاد السباحة والرماية وركوب الخيل، ولا يخفى على أحد ما في السباحة من تكوين وبناء لعضلات الإنسان.
3- التربية الأخلاقية:
والمقصود بالتربية الأخلاقيَّة العمل على غرس قيم الخير في نفس الطفل، كالصدق والأمانة وبرِّ الوالدين والشجاعة، ومن أهمِّ جوانب التربية الأخلاقيَّة العمل على تخليته من الأخلاق البذيئة، كالكذب والجبن وما إلى ذلك.
4- التربية العقلية:
أعطى الإسلام للعقل عناية خاصَّة، فالإسلام يُشَجِّع الطاقات العقليَّة ويحترمها، وألقى الإسلام على عاتق الأبوين تربية عقل الطفل، فليس المقصود من التربية كما يفهم الكثيرون الطعام والكساء، بل لا بُدَّ من غذاء عقلي للطفل لينمو عقله ويستطيع أن يساير الحياة، وحتى ننهض بالعقل لا بُدَّ من اغترافه من مَعِين الثقافة والعلم، والتركيز على القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالإضافة إلى هذه العلوم لا بُدَّ من الاطلاع على الكتب العامَّة والمعارف الأخرى، وعلى الأبوين كذلك اختيار الأصدقاء المتميِّزين بثقافتهم الإسلاميَّة.
5- التربية الاجتماعية:
ويقصد بالتربية الاجتماعيَّة تربية الطفل على آداب اجتماعية فاضلة، وهي المنبثقة من العقيدة الإسلاميَّة، كالنظام وحسن التعامل والتصرُّف الحكيم، وتقوم التربية الاجتماعيَّة أيضا على التربية الإيمانيَّة والأخلاقيَّة والعقليَّة، وذلك ليستطيع التفاعل في المجتمع والتأثير فيه، وتقع هذه المسئوليَّة أوَّلاً على الأسرة.
وباكتمال هذه الجوانب يصبح لدينا طفل قوي العبادة، صحيح العقيدة، متين الخلق، مثقَّف الفكر، يستطيع أن يخدم دينه وأُمَّتَه، وأن يكون لَبِنَة صالحة في المجتمع.
* طرق تربية الأطفال
1- التربية بالملاحظة:
وهي ملاحظة الولد وملازمته في التكوين العقدي والأخلاقي، ويدخل فيه التكوين النفسي والاجتماعي، وهذه التربية جسَّدها النبي صلى الله عليه وسلم في ملاحظته لأفراد المجتمع، ويعقبها الترشيد والتوجيه.
ويجب الحذر من أن تتحوَّل الملاحظة إلى تجسُّس، فمن الخطأ أن نفتِّش غرفة الولد المميَّز ونحاسبه على هفوة نجدها؛ لأنه لن يثق بعد ذلك بالمربِّي، وسيشعر أنه شخص غير موثوق به، وقد يلجأ إلى إخفاء كثير من الأشياء عند أصدقائه أو معارفه، ولم يكن هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأبنائه وأصحابه.
كما ينبغي الحذر من التضييق على الولد ومرافقته في كل مكان وزمان؛ لأن الطفل -وبخاصَّة المميَّز والمراهق- يحبُّ أن تثق به وتعتمد عليه، ويحب أن يكون رقيبا على نفسه، ومسئولاً عن تصرُّفاته، بعيدا عن رقابة المربِّي، فَتُتَاحُ له تلك الفرصة باعتدال.
وعند التربية بالملاحظة يجد المربِّي الأخطاء والتقصير، وعندها لا بُدَّ من المداراة التي تحقِّق المطلوب دون إثارة أو إساءة إلى الطفل؛ والمداراة هي الرفق في التعليم وفي الأمر والنهي، بل إن التجاهل أحيانًا يُعَدُّ الأسلوب الأمثل في مواجهة تصرُّفات الطفل التي يستفزُّ بها المربي، وبخاصَّة عندما يكون عمر الطفل بين السنة والنصف والسنة الثالثة، حيث يميل الطفل إلى جذب الانتباه واستفزاز الوالدَيْنِ والإخوة، فلا بُدَّ عندها من التجاهل؛ لأن إثارة الضجة قد تؤدِّي إلى تشبُّثه بذلك الخطأ، كما أنه لا بُدَّ من التسامح أحيانًا؛ لأن المحاسبة الشديدة لها أضرارها التربويَّة والنفسيَّة.
2- التربية بالإشارة:
والتربية بالإشارة تُستخدَم في بعض المواقف كأنْ يُخطئ الطفل في وجود ضيوف أو في محفل فتكفيه إشارة باليد، أو نظرة غضب؛ وذلك لأن إيقاع العقوبة قد يجعل الطفل معاندًا؛ لأن الناس ينظرون إليه، وتُستخدم الإشارة خاصَّة مع الأطفال ذوي الحسِّ المرهف.
ويدخل ضمنه التعريض بالكلام، فيقال: إن طفلاً صنع كذا وكذا، وعمله عمل ذميم، ولو كرَّر ذلك لعاقبته، وهذا الأسلوب يحفظ كرامة الطفل ويؤدِّب بقيَّة أهل البيت ممن يفعل الفعل نفسه دون علم المربِّي.
3- التربية بالموعظة وهدي السلف:
وتعتمد الموعظة على جانبين؛ الأول: بيان الحقِّ وتعرية المنكر. والثاني: إثارة الوجدان، فيتأثر الطفل بتصحيح الخطأ وبيان الحق وتقلُّ أخطاؤه، وأما إثارة الوجدان فتعمل عملها لأن النفس فيها استعداد للتأثُّر بما يُلقى إليها، والموعظة تدفع الطفل إلى العمل المرغب فيه.
ومن أنواع الموعظة:
أ- الموعظة بالقصة، وكلما كان القاصُّ ذا أسلوب متميِّز جذاب استطاع شد انتباه الطفل والتأثير فيه، وهو أكثر الأساليب نجاحًا.
ب- الموعظة بالحوار، وهي تشدُّ الانتباه وتدففع الملل إذا كان العرض حيويًّا، وتُتِيح للمربِّي أن يَعرف الشبهات التي تقع في نفس الطفل فيعالجها بالحكمة.
ج- الموعظة بضرب المثل الذي يُقَرِّب المعنى ويُعين على الفَهم.
د- الموعظة بالحَدَثِ، فكلما حدث شيء معيَّن وجب على المربِّي أن يستغلَّه تربويًّا، كالتعليق على مشاهد الدمار الناتج عن الحروب والمجاعات ليُذَكِّر الطفل بنعم الله، فيؤثِّر هذا في النفس؛ لأنه في لحظة انفعال ورِقَّة فيكون لهذا التوجيه أثره البعيد.
وللمربِّي في ذلك مخاطبة الطفل على قدر عقله، والتلطُّف في مخاطبته ليكون أدعى للقَبول والرسوخ في نفسه، كما أنه يُحسن اختيار الوقت المناسب فيراعي حالة الطفل النفسيَّة ووقت انشراح صدره وانفراده عن الناس، وله أن يستغل وقت مرض الطفل؛ لأنه في تلك الحال يجمع بين رقَّة القلب وصفاء الفطرة، وأما وعظه وقت لعبه أو أمام الأباعد فلا يُحقِّق الفائدة.
ويجب أن يَحْذَر المربي من كثرة الوعظ، فيتخوَّله بالموعظة، ويراعي الطفل حتى لا يملَّ، ولأن تأثير الموعظة مؤقَّت فيحسن تَكرارها مع تباعد الأوقات.
4- التربية بالعادة:
لَفَتَ النبي صلى الله عليه وسلم نظر الآباء إلى هذا النوع من التربية في حديثه صلى الله عليه وسلم الذي رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: "مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ"، فالثلاث سنوات كافية ليتعوَّد فيها الإنسان على الصلاة، وكذلك جميع العبادات والأخلاق، فتصبح عادة راسخة في النفس.
وقد تأكد ذلك في إرشاد ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: "وعوِّدوهم الخير، فإن الخير عادة". وبهذا تكون التربية بالعادة ليست خاصَّة بالشعائر التعبُّديَّة وحدها، بل تشمل الآداب وأنماط السلوك.
هذا ولكي نعوِّد الطفل على العبادات والعادات الحسنة يجب أن نبذل الجهود المختلفة ليتمَّ تَكرار الأعمال والمواظبة عليها بالترغيب والترهيب والقدوة والمتابعة وغيرها من الوسائل التربويَّة.
وترجع أهميَّة التربية بالعادة إلى أن حُسن الخلق بمعناه الواسع يتحقَّق من وجهين: الأول: الطبع والفطرة، والثاني: التعوُّد والمجاهدة، ولما كان الإنسان مجبولاً على الدين والخُلُق الفاضل كان تعويده عليه يرسِّخه ويَزيده، ولكي نعوِّد الطفل على العبادات والعادات الحسنة يجب أن نبذل الجهود المختلفة ليتم تكرار الأعمال والمواظبة عليها بالترغيب والترهيب والقدوة والمتابعة وغيرها من الوسائل التربويَّة.
5- التربية بالترغيب والترهيب:
والترهيب والترغيب من العوامل الأساسيَّة لتنمية السلوك وتهذيب الأخلاق وتعزيز القيم الاجتماعيَّة، ويمثِّل الترغيب دورا مهمّاً وضروريّا في المرحلة الأولى من حياة الطفل؛ لأن الأعمال التي يقوم بها لأوَّل مرَّة شاقَّة تحتاج إلى حافز يدفعه إلى القيام بها حتى تصبح سهلة، كما أن الترغيب يُعَلِّمه عادات وسلوكيَّات تستمرُّ معه ويصعب عليه تركها.
والترغيب نوعان: معنوي ومادي، ولكلٍّ درجاته فابتسامة الرضا والقبول، والتقبيل والضم، والثناء، وكافَّة الأعمال التي تُبهج الطفل هي ترغيبٌ في العمل. ويرى بعض التربويِّين أن تقديم الإثابة المعنويَّة على الماديَّة أولى؛ حتى نرتقي بالطفل عن حُبِّ المادة، وبعضهم يرى أن تكون الإثابة من جنس العمل، فإن كان العمل ماديًّا نكافئه ماديًّا، والعكس.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الإسلام وشمول جوانب التربية
- التفاصيل