عمر السبع
كيف نربي أبناءنا تربية نفسية سليمة؟
نقرأ عن التربية النفسية، ولكن ما هي الخطوات العملية نحو تربية أبنائنا بصورة فعالة وصحيحة؟
هناك العديد من الخطوات التي تمكنا من تربية فلذات أكبادنا تربية نفسية سليمة، وقد اخترنا من هنا خطوتين اثنين، نراهما من أهم الخطوات على طريق التربية النفسية السوية لأطفالنا...
الخطوة الأولى: الاتفاق على منهج تربوي
مشكلة بين الأخ وأخته:
الطفل أحمد: يستخدم مع أمه ألفاظًا نابية.
الطفلة فاطمة: سوف أخبر أبي فور عودته من عمله.
الأم: ماذا حدث، يا فاطمة؟
الطفلة: لقد شتمني أحمد وقال لي: (...) و(...)، وسأخبر أبي كي يعاقبه.
الأم: هو لا يقصد يا فاطمة، ولعله لن يفعل ذلك ثانية.
الطفلة: أمي، هذه ليست المرة الأولى، وقد أخبرتك من قبل ولم تعاقبيه، وأظن أن أبي قد أخبرنا أننا ينبغي أن نخبره سواء أنا أو أخوتي إذا استخدم أحد منا مثل هذه الألفاظ، وهممت بإخباره أكثر من مرة وأنت يا أمي اعترضتي وقلتي: أنا سأتخذ اللازم، ولم يحدث شيء سوى المعاتبة على عَجَلٍ.

هذه نموذج مصغر من الاضطرابات التي تحدث لدى الأطفال نتيجة غياب الاتفاق على منهج تربوي واحد بين الوالد والوالدة، يحترمه الأطفال ويتعاملون وفقه فيما بينهم وبين الوالدين، وفيما بينهم وبين أنفسهم، وإن كان هذا نموذجًا مصغرًا، فإن هناك العديد من النماذج الصارخة بهذا الخطأ الكبير، وهو غياب الرؤية الواحدة والمنهج التربوي الواحد المتفق عليه بين الوالدين في تربية أولادهم.

إن هذا النهج المتفق عليه في التربية يسهم إسهامًا كبيرًا في تنشئة الأطفال تنشئة سوية من الناحية النفسية، (فنمو الأولاد نمواً انفعالياً سليماً وتناغم تكيفهم الاجتماعي يتقرر ولحد بعيد بدرجة اتفاق الوالدين وتوحد أهدافهما في تدبير شئون أطفالهم، على الوالدين دوماً إعادة تقويم ما يجب أن يتصرفا به حيال سلوك الطفل، ويزيدا من اتصالاتهما ببعضهما خاصة في بعض المواقف السلوكية الحساسة، فالطفل يحتاج إلى قناعة بوجود انسجام وتوافق بين أبويه.

شعور الطفل بالحب والاهتمام يسهل عملية الاتصال والأخذ بالنصائح التي يسديها الوالدان إليه.

مثال على ذلك الاضطراب الانفعالي الذي يصيب الولد من جراء تضارب مواقف الوالدين من السلوك الذي يبديه:

زكريا عمره أربعة أعوام يعمد إلى استخدام كلمات الرضيع الصغير كلما رغب في شد انتباه والديه، وبخاصة أمه إلى إحدى حاجاته فإذا كان عطشاً فإنه يشير إلى صنبور الماء قائلاً: "أمبو.. أمبو" للدلالة على عطشه.

ترى الأم في هذا السلوك دلالة على الفطنة والذكاء لذا تلجأ إلى إثابته على ذلك، أي تلبي حاجته فتجلب له الماء من ذاك الصنبور.

أما والده فيرى أن الألفاظ التي يستعملها هذا الولد كريهة، فيعمد إلى توبيخه على هذا اللفظ الذي لا يتناسب مع عمره. وهكذا أصبح الطفل واقعاً بين جذب وتنفير، بين الأم الراضية على سلوكه والأب الكاره له ومع مضي الزمن أخذت تظهر على الطفل علامات الاضطراب الانفعالي وعدم الاستقرار على صورة سهولة الإثارة والانفعال والبكاء، وأصبح يتجنب والده ويتخوف منه) [أطفالنا والتربية النفسية، حسام أبو جبارة].

الخطوة الثانية: الاتصال الفعال بين الوالدين والطفل

هل يمكن أن نتشكي من سوء الحالة النفسية لأطفالنا، ونحن منشغلين ومنعزلين عنهم بصورة كبيرة، ولا نتواصل معهم إلا حينما يقعون في المشكلات والأخطاء، فضلًا عن أن نضع آليات واضحة للاتصال الدائم مع أطفالنا الذي يحتاجون إلينا بقوة في فترة تكوين شخصيتهم ومعتقداتهم؟!

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أيضًا، لماذا نتواصل مع أبنائنا بصورة دائمة؟ إن البعض من الوالدين لا يشعرون بقيمة الاتصال الدائم بأولادهم، أتدرون لماذا؟ لأنهم لم يضعوا تصورًا واضحًا لما ينبغي أن يكون عليه أولادهم من الأساس، فعل سبيل المثال لم يضعوا خريطة أو خطة واضحة للسلوك الذي ينبغي أن يربوا عليه أطفالهم... من ثم يشعرون بعدم الحاجة للاتصال (مع الأسف).

وسنأخذ سويًا نموذجًا عمليًا للاتصال الفعال بين الوالدين والطفل، ألا وهو (وضع خطة لغرس السلوك والتواصل الدائم مع الأطفال بشأنها)، فنرى أن هذا يستلزم:

يجلس الوالدان سويًا ويتم وضع السلوكيات المهمة التي ينبغي أن يربوا عليها أطفالهم.

1.  هذه السلوكيات أو القيم تحتاج إلى قواعد خاصة بها تضبطها، ويشجع الطفل حينما يلتزم بها كما يعدل سلوكه حين يخالفها، وحين يتم وضع هذه القواعد من المفيد جدًا أن يتم مشاركة الطفل في وضعها والاستماع إليه، وهذه بداية ممتازة للاتصال الفعال مع أطفالنا.

2.  نقوم بمكافأة فورية للطفل، مادية أو معنوية؛ حينما يلتزم بهذه القواعد.

3.  حينما يخالف الطفل هذه القواعد، نبين له أولًا أن جهده وتفاعله كان رائعًا أثناء التزامه بالقواعد، ونبين له كيفية تعديل سلوكه الخاطئ.

4.  نحذر من أن نصف أطفالنا بالسيئين أو المخالفين للسلوك، حتى لا نرسخ ذلك في أذهانهم، بل هي حالة عارضة بعد فترة من التميز في المحافظة على القواعد.

وللشيخ الغزالي كلام رائع في هذا السياق، يقول: (ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة، ولم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها، والأخلاق الجميلة تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وبمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم، وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح.

إذ الطبع يسرق من الطبع، والشر والخير سواء في ذلك، والأصل في تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء، وكل مولود يولد معتدلًا صحيح الفطرة، وإنما بالاعتياد والتربية تتهذب أخلاقه، وكلما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس.

فإن خالف ذلك مرة فينبغي أن يتغافل عنه، فإن عاد ثانيًا فيعاتب سرَّا ولا يكثر عليه العتاب في كل حين؛ فإن ذلك يهوِّن عليه الملامة ويسقط وقع الكلام من قلبه، ويحسن أن يظل للأب عنده هيبة من أن يوبخه والأم تخوفه بالأب) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/258)].

5.  لا ينبغي علينا أن نكسر ما نربي أطفالنا عليه، بل ينبغي أن نكون قدوة لهم خاصة في مجال التربية السلوكية.

فلتكوين (الخلق السوي في الطفل ينبغي أن تعلمه الواجبات التي ينبغي عليه القيام بها، وهذا التعليم يتم بالقدوة والتربية والتوجيه) [الطفل في الشريعة الإسلامية، سهام مهدي جبار، ص(311-312)].

(مثال على المشاركة في وضع قواعد السلوك: هشام ومحمد طفلان توأمان يحبان أن يتصارعا دوماً في المنزل، وهذه المصارعة كانت مقبولة من قبل الوالدين عندما كانا أصغر سناً (أي: في السنتين من العمر) أما في عمر أربعة أعوام فإن هذا اللعب أضحى مزعجاً بالنسبة للوالدين.

جلس الوالدان مع الطفلين وأخذا يشرحان لهما أن سنهما الآن يمكنهما من أن يفهما القول، ولابد من وجود قواعد سلوكية جديدة تنظم تصرفاتهما وعلاقاتهما ببعضهما.

بادر الولدين بالسؤال: هل يمكننا التصارع في غرفة الجلوس بدلاً من غرفة النوم؟ هنا وافق الأبوان على النظام التالي: المصارعة ممنوعة في أي مكان من المنزل عدا غرفة الجلوس) [أطفالنا والتربية النفسية، حسام أبو جبارة].

وفي الختام..

ينبغي علينا أولًا أن نتفق سويًا (الوالد، الوالد) على منهج تربوي واضح، حتى لو كان بسيطًا في بدايته، حتى تكون تربيتنا متسقة مع أقوالنا وأفعالنا التربوية، وحتى ينسج أولادنا مع هذا المنهج ويفهموه جيدًا.

ينبغي علينا أن نبدأ نوافذ الاتصال الفعال مع أولادنا، وليكن أول ما نبدأ به هو وضع خطة سلوكية لأطفالنا ومشاركتهم في وضع قواعدها وفق ما بينا من خطوات سابقة.

المصادر:

إحياء علوم الدين، الغزالي.

أطفالنا والتربية النفسية، حسام أبو جبارة.

الطفل في الشريعة الإسلامية، سهام مهدي.

JoomShaper