لقد احتلت التربية منزلة الصدارة في حوارات الكثير من المجالس، وأصبحت محور هموم جُل البيوت.. ومع ذلك فإن معالمها غير واضحة بشكل جيد لدى الكثيرين. فيتناولها الجميع من زوايا مختلفة تتأرجح بين العلم والخبرة والتحديات المعاصرة ومشكلات الأبناء المختلفة. حتى أصبحنا بحاجة لمعايير تضبط أهم معالمها؛ لتصل للنجومية التي ننشدها.. لكن قبل الحديث عن نجومية التربية من المهم توضيح معنى التربية بشكل واضح لا لبس فيه. فبالرغم من تداول هذا المصطلح كثيراً إلا أن مضمونه الصحيح اختلط مع بعض العوامل الأخرى فأصبحت التربية تُمثل أجزاءها الثانوية كالرعاية مثلاً مع إهمال المضمون الجوهري لها من غرس القيم وتعديل السلوك. فنسمع كثيراً آهاتٍ شاكية من والدين يتألمان على ما بذلاه من مال وجهد في رعايتهم لأبنائهم دون تقصير منهما في هذا الجانب - على اعتبار أن ما قاما به التربية بعينها- لكنهما لم يحصدا ثماراً تربوية في أبنائهمتكافئ جهدهماالمبذول.

فاطمة الأمير
إن الزهرة لكي تنمو وتزدهر براعمها، علينا أن نلقي بذورها بطريقة صحيحة، فنحصد زهرة تشع جمالًا، ذات رائحة ليس لها مثيل، فتتفرع أوراقها.
وعلى العكس، إن ألقيتَ البذور بطريقة خاطئة وكنت مهملًا في رعايتها؛ فستحصد زهره ذابلة ليس منها فائدة أو نفع، لا لك أو لغيرك.
هكذا هو حال غرس القيم الأخلاقية بداخل الأبناء، فكثيرًا ما ينشغل الآباء والأمهات عن غرس القيم والأخلاق بداخل أبنائهم، تاركين لهم تتبُّع عادات وتقاليد ليس لنا أي علاقة بها، ولو تدارك الأبوان أن ترسيخ القيم الأخلاقية في وقت وسن مبكرة، سيكون أسهل بكثير داخل نفوس الأبناء؛ لأن أجهزة الاستقبال لدى الأبناء ستكون مهيَّأة، فإن أردت إلقاء بذورك فيها، فستجد أن مستوى الذكاء لديه من أعلى ما يكون في هذه السن المبكرة، وكذلك لأن عقله الصغير خاوٍ، ولم يمتلئ بعدُ بكثرة تفكيره في كل ما يحيط به، فسيكون هذا الوقت وهذا العمر الصغير من أسهل ما يكون للبدء بتثبيت القيم الأخلاقية لدى الأبناء.

هذه التساؤلات وغيرها - لاسيما التي يسألها الطفل عن أعضائه التناسلية ـ يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، غير أنّ بعض الأباء قد يسيئون الرد على أسئلة الطفل الحرجة، فأحياناً يقابلونها بالتعنيف والقسوة مما يشعر الطفل بالاشمئزاز من نفسه والإحساس بالذنب.
وأحياناً أخرى يعطون الطفل إجابات وتفسيرات خاطئة بسبب الإحراج أومن قبيل التبسيط ، الأمر الذي قد يسبب للطفل عقداً نفسية؛ لهذا يجب الاعتماد على المعلومات العلمية والدينية والشرعية للإجابة عن كل الاستفسارات مهما بدت بسيطة.
يقول علماء النفس : إذا سألك الطفل عن الجنس، لا تغيِّري الموضوع، كما يفعل كثير من الآباء والأمهات، بل انتهزي الفرصة لمناقشة الأمر وتوضيح كلّ المعلومات الخاطئة التي يحملها طفلك وانقلي إليه قيمك.


يحتاج الطفل لاكتساب شخصية متوازنة، فالتربية لا تقتصر على توفير المأكل والملبس وغيرهما من الأمور المادية، بل يجب على الآباء العمل على تعليم أطفالهم المهارات اللازمة لمواجهة مختلف الصعوبات والتحديات التي قد تعترض طريقهم.
الأخطاء الأكثر شيوعا
ويعتبر زرع مشاعر الخوف وعدم الطمأنينة لدى الطفل، عن وعي أو لاوعي، من أكثر الأخطاء شيوعا التي يقع فيها الكثير من الآباء عند تربية أبنائهم. وبهذه الطريقة، تسيطر المشاعر السلبية على فكر الطفل، الأمر الذي يجعله غير قادر على حماية نفسه، والاستسلام بسهولة للشخص الذي قد يهاجمه، والذي يجد في هذه الطباع أفضل سبيل لتحقيق ما يهدف إليه.
مهمة الأبوين تكوين طفل قوي قادر على الدفاع عن نفسه، وليس تحويله إلى ضحية. والمقصود بتعليم الطفل كيفية الدفاع عن نفسه لا يقتصر على المهارات الجسدية فحسب، بل يشمل أيضا تعزيز ثقته بنفسه وجعله شجاعا ويحترم ذاته وجسده.

هناك طرق عديدة لتحضير الأطفال لمواجهة ضغوط الحياة التي لا مفر منها، ومساعدتهم على التعامل مع التحديات وعوامل الإحباط والقلق التي تواجههم في معترك الحياة.
تقول الدكتورة النفسية جولي فراغا إن الآباء يعانون من ألم كبير منذ أول مرة يبكي فيها الطفل عند خروجهم من البيت، وتنتابهم أحاسيس مضطربة خلال سنوات المراهقة التي يكون فيها أبناؤهم محبطين ومتوترين بسبب الاختبارات والواجبات المدرسية.
وهذه المشاعر هي جزء طبيعي من حياة الإنسان في مختلف مراحلها، ولكن بإمكان الوالدين تدريب أطفالهم على طرق للتعامل بفعالية مع هذه الحالات، حتى لا تتطور الضغوط وتنعكس سلبا على حالاتهم النفسية وقراراتهم الشخصية.

JoomShaper