باسم زكريا السمرجي
أحسب أنَّ اليأس والإحباط لا يغزو أي منهما قلبي إلا بعد أن يطمأنّ أنَّ الإيمان فيه هزلت جنده وارتعشت دعائمه. فكيف يُحبط من آمن بالله وأسلم له؟! أليس الإسلام استسلامًا لله يُسلّم المسلم فيه نفسه لخالقه الذي بيده كل شيء تسليمًا يحرره من كل تعلّق بمن وبما لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرّا؟ أليس الإسلام استسلامًا لربّ هو في قدرته رحيم، وفي عدله حليم؟ أليس الإسلام استسلامًا لربّ خلق فأبدع، وكلّف فأعان, وعُصي فأمهل؟ أليس الإسلام استسلامًا لربّ وعد بالدفاع عن المؤمنين، وتوعّد من عادى من عباده الأولياء المحسنين؟ أليس الإسلام استسلامًا يحرّر العبد من التعلّق بالأشياء والتوقف عند المباني ويطلق روحه لتحلّق في فضاء المعاني، لتنساب في عالم متجاوز للزمان والمكان، حيث لا هناك ولا هنا لا أين لا كيف لا متى, عالم المقصد فيه سعيٌ والسعيُ فيه اقتفاء لمقصد لا تكتمل حلقته إلا حين يرى الإنسان اليقين رأي العين ملائكة – نرجوها ملائكة رحمة – تصحب الروح في رحلة العودة إلى حيث تنتمي، إلى السماء.

أ.د. محمود نديم نحاس
رُوي أن زياد ابن أبيه طلب رجلاً يريد أن يقتله، ففرّ الرجل هارباً، فتم القبض على أخيه رهينة حتى يسلِّم ذاك الرجل نفسه. فأتي بالرهينة إلى زياد فهدده قائلاً: لتأتني بأخيك وإلا قطعت رأسك! فقال الرجل: لو أتيتك بكتاب من الخليفة لتعفو عني فهل ستعفو؟ قال: نعم. قال: فلدي كتاب من رب الخليفة شهد عليه اثنان من الأنبياء! قال: أين هذا الكتاب؟ قال الرجل: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)، فقال زياد: أما هذا فمعه حجته. ثم أطلق سبيله.
ما أحوجنا إلى أن نتعظ بمثل هذه الموعظة التي أثرت في زياد. فنحن اليوم لا نلوم شخصاً على تصرفات أخيه، بل نأخذ قوماً أو شعباً كاملاً بجريرة شخص واحد. ألسنا نقول بأن فلاناً من بلد كذا ثم نقع في أهل بلده وأنهم كلهم مثله؟ وفي البلد الواحد نقول بأن فلاناً من منطقة كذا أو مدينة كذا، ثم نقع في أهل منطقته أو بلدته؟. وكان بالإمكان أن نمدح فلاناً أو نذمه دون التعميم على أهله وعشيرته وسكان بلدته، فلا تزر وازرة وزر أخرى.

محمد بن أحمد الرشيد
في المقالين السابقين عن (البنوة عندنا) ذكرٌ لبعض مواقف الأبناء من الآباء، وإثبات للحقيقة التي لا نزاع حولها وهي أن الأبوة فوق البنوة شأناً وقدراً، وتفوقها حباً ورعاية واهتماماً.
ومما جاء من بارع التعبير عن هذه المشاعر التي لا مثيل لها كماً وكيفاً كلمات سجلها الأستاذ عبدالعزيز البشري للتاريخ، قال (وقد تعلم أن كلمة الحب تنطوي على ألوان من الحسن كثيرة، قد تقترب اقتراباً شديداً وقد تفترق افتراقاً بعيداً، فللحياة حب، وللجمال حب وهكذا، لكن اعلم أن حب الولد غير أولئك جميعاً - حب الولد غير حب الزوج، وغير حب الوالدين، وغير حب الاخوة وأبنائهم، هو حب له طعم لا تذوقه في شيء من أولئك، هو مزج من الرحمة والحنان، ومن السعادة والجمال، ومن الطرب ومن الطمأنينة والقلق، ومن الأثرة والإيثار، ومن الخوف والرجاء، هو مزج من هذا كله مختلط، يموج بعضه في بعض فيخرج ذلك الطعم الذي لا يكون إلا بمجموع هذه المعاني وإن كان أظهر عناصره الرحمة، والحنان).
الذي يلفت النظر هو أن حب الآباء والأمهات، والعرفان بفضلهم ربما لا يعيه بعض الأبناء في حياتهم.. ولكن حين تخلو الحياة من الأبوة، وتجف الأسرة من نبع الأمومة، نرى الأبناء يدركون حقيقة ما كان عليه الآباء والأمهات من حب غامر، وحنان دافق، وصدق إيثار لهم على أنفسهم

* عصمت عمر
عندما تميل النفس البشرية إلى أهوائها، فإنّها تسقط في الذنوب والمعاصي التي لا يستطيع المرء الخلاص منها إلا بالموازنة بين سلامة الدين، ونيل اللذة المطلوبة، وأن يعلم أنّ الهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده حتى وإن كان علماً وزهداً، وأنّ الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، مع التفكر في أنّ النفس البشرية لم تخلق للهوى، وإنّما هي لأمر عظيم لا تناله إلا بمعصيتها للهوى، فكم من معصية أضاعت فضائل، وكم أوقعت في رذائل، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوة كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وقبحت ذكراً وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء، ولا يسلم منه العبد إلا بالرجوع للكتاب والسُّنة، من خلال الإمتثال لأوامر المولى عزّوجلّ، وأن يكون على مثل ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
قال تعالى: (.. فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء/ 135)، وقال سبحانه: (.. وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صلى الله عليه وسلم/ 26)، وقال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات/ 40-41).

سلام نجم الدين الشرابي
ندور في عجلة الوقت، نسارع الخطى حتى نواكب كل ذي صلة؛ لئلا  نصنّف خارج حدود الزمن في زمن السرعة، وسرعة الزمن.  نلهث رغبة في تحقيق وجود لنا في كل مجال، وجلين أن يلحق بنا القصور في أي أمر من أمور حياتنا. وتبقى العجلة تدور وندور معها. فنسقط حيناً ونوفق أحياناً. ولكن هل بالإتقان والإخلاص الذي نريد، في زمن لا نقوى على ملاحقة عقاربه وهو ماض إلى تسارع.
عبثاً أن نلم بكل ما نصبو إليه مع كثرة المسؤوليات، وتقلص الوقت، وقديماً قالوا: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، فكيف نقطع وقتاً ينافس السرعة انقضاءً؟.
فالجري لن يزيدنا إلا تعباً، وتعدد المسؤوليات لن تزيدنا إلا تشتتاً، وحتى نستعيض بالحكمة والتنظيم عن الجري ونحقق نوعاً من التوازن بين مسؤولياتنا على اختلافها؛ منزلية وتربوية وزوجية وعملية وعلمية وتعبدية، نحتاج إلى تطبيق ما يسمى بالوقت النوعي؛  وهو الكيفية التي نقضي فيها أوقاتنا مع كل محور من محاور حياتنا، فنحن بحاجة إلى وقت نوعي نقضيه مع أزواجنا نتصارح ونتحاور، نتشارك الهموم والاهتمامات.

JoomShaper