* راشد الغنوشي
ما أروع رمضان هذا وهو يحل على أمتنا محتفية بثورات انتصرت وأخرى في الطريق، بما فتح آفاقها المغلقة -بعد عهود مقت وهوان طالت- على تاريخ جديد تتحقق فيه الآمال العريضة والأحلام الجميلة والموعودات المنتظرة.
مبارك على الجميع رمضان وبخاصة شباب الثورة وبالأخص اليافع منه الذي يؤدي هذه الشعيرة لأول مرة.. والرحمة لشهداء الثورة.. ودعوة للجميع أن يستشعروا تميزه وأن يرتفعوا بثورته الروحية المجتمعية إلى أعلى مستويات الفعل الثوري، تجسيدا لقيم التوحد والأخوة والإيثار والتضامن والصدق مع شركائنا في الثورة من كل الاتجاهات، ومع معاناة إخواننا في الثورات التي تستشرف لحظة النصر.
رمضان شهر القرآن، نزولا وتلاوة وتفعيلا. وتاريخيا رمضان شهر الفتوحات الكبرى والمجاهدات العظيمة، أما رمضان هذه السنة فهو حالة متميزة، لم يسبق للأمة بعد احتفالاتها بانتصارات استقلال، سرعان ما تمخضت عن دول قهرية فاسدة، فاقت ظلما وفسادا عهود الاحتلال.

يأتي رمضان كعادته كل عام، وفيه نتوقف عن الطعام والشراب، منذ الفجر وحتى موعد الإفطار، ساعات طوالاً، يبتعد فيها المدخن عن تدخين السيجارة، ولكن ما إن يأتي موعد الإفطار إلا وتكون الأخيرة في وضع الإستعداد للإشتعال بين أصابعه، حتى قبل تناول الطعام. من هنا، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: إذا كان المدخن إستطاع أن يتوقف عن التدخين لمدة 16 ساعة تقريباً، أليس هو بقادر على الإمساك عنه حتى ساعات الفجر، والإقلاع تماماً عن هذه الآفة المدمرة التي مات بسببها ما يقارب 100 مليون شخص خلال القرن الماضي؟ التفاصيل في السطور الآتية.
- حياة جديدة:
تعدى محمد منقذ الحاج حامد (موظف سوري الجنسية) الستين من العمر، وهو كان يعمل في بلدية الشارقة ويدخن السجائر والشيشة منذ منذ 43 عاماً. وفي شهر رمضان الماضي، كان قراره بالإقلاع عن التدخين نهائياً، وكان "مركز الإقلاع عن التدخين" في الشارقة هو بوابته إلى الحياة الجديدة، التي لم يعد يمسك فيها بالسيجارة ولا الشيشة، فقد ودع التدخين إلى غير رجعة، ومنه نعرف الحكاية. يتحدث محمد عن اللحظة الفارقة في حياته، والتي تزامنت مع شهر رمضان الماضي، حيث ذهب إلى "عيادة الإقلاع عن التدخين" في الشارقة، ومع الدكتور إبراهيم جابر، المشرف على العيادة، كانت خارطة الطريق التي انتهت بإقلاعه عن التدخين. وعن هذه اللحظة يقول محمد: "أمضيت 43 عاماً من عمري وأنا أدخن السجائر والشيشة، كنت أدخن ما بين 3 و4 علب سجائر يومياً، أي 60 أو 80 سيجارة تقريباً في اليوم الواحد، إضافة إلى الشيشة، كنت أمسك السجارة بيد والشيشة باليد الأخرى، واستمرت حالي على هذا المنوال حتى اقتربت من الستين من العمر وبدأت صحتي في التراجع، فقررت الذهاب إلى عيادة الإقلاع عن التدخين بالشارقة في رمضان 2010، وبعد جلسات عدة مع المتخصصين، كان قراري بالتوقف عن التدخين، وكان شهر رمضان فرصة جيِّدة لإتخاذ القرار".

الشيخ خالد مهنا
يهل شهر رمضان المبارك على أمة الإسلام في كل مكان، وتهل معه نفحات الأجر والمثوبة لمن يلتمس فرص الخير ممن تعتمل في صدورهم بذرة الخير استجابة لداعي الله حيث يقبل باغي الخير، ويقصر باغي الشر. هذا الشهر العظيم الذي كان يبشر بمجيئه رسول الله أصحابه: "إذا كان أول ليلة من رمضان، فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار، وذلك كله ليلة"
ولكن  الذي يرجع البصر في بلاد المسلمين وهي تستقبل شهر رمضان في هذه الأيام، يجد بوناً شاسعاً بين ما نفعله في زماننا من مظاهر استقبال شهر رمضان، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وإن القلب ليملي على البنان عبارات اللوعة والأسى، فيكتب البنان بمداد المدامع، وينفطر الجنان من الفتن الجوامع!
كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – رضى الله عنهم وأرضاهم - يستعدون لشهر رمضان من قبل أن يهلّ بستة أشهر ويلحون على الله ألا يحرمهم بلوغه ثم يأتى الشهر الضيف العظيم فيجتهدون فيه ويبذلون ما يملكون من جهد ومجهود في اتمام الطاعات والقرب الشديد من رب الخيرات فى شهر المكرمات ,, فالفرصة قد حانت والرحمات قد نزلت والجنة قد استعدت والنيران قد أغلقت والشياطين قد صُفدت والهداية قد اقتربت والأنوار قد حلّت والظلمات قد رحلت ..
ثم اذا اقترب الضيف من نهايته وبدا يبزغ إيذانا برحيله أخذهم الحزن وسيطر عليهم الهم .

في بداية الأمر نبارك للجميع هذا الشهر، و نسأل الله لنا ولكم إتمامه على الوجه الذي يرضيه عنا. وأغتنم فرصة حلول شهر رمضان المبارك، بأن أستوقف نفسي أولاً، ثم إخواني المسلمين ثانياً، بعض الوقفات الهامة جداً، في بداية هذا الشهر العظيم، وهي على النحو الآتي:
وقفة1 :
كان السلف والخيرون من الخلف، من هذه الأمة، يدعون الله ستة شهور من بعد رمضان أن يكتب الله لهم القبول، و من ثم يتبعون المتبقي من السنة من الستة شهور، بأن يبلغهم الله صيام رمضان القادم.
فيامن أعطاه الله العمر، وبلَّغه هذا الشهر، فما أنت صانع في هذا الشهر ؟؟
وما التغيُّر الذي سوف تحدثه في خارطة حياتك ؟!!.
قال الله تعالى: ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) سورة آل عمران: 133.
وقفة2 :
في هذا الشهر المبارك يقضي المسلم وقته بين صيام وقيام، وعمل ونوم، واجتهاد في الطاعات، وتقرُّب لرب الأرض والسماوات، فحري بنا أن نحرص على أن تكون أعمالنا خالصة لوجه الله تعالى، و الحذر من كل يبطل العمل، قال الله تعالى: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) سورة البينة: 5 .

د. مشاري بن عبد الله النعيم
كيف يمكن أن يعلّمنا رمضان أن نفعّل الأخلاق الحضريَّة والمدنيَّة؟ كيف يمكن أن يجعلنا أكثر بشاشة نبتسم في النهار الحارق هذه الأيام، نتعامل مع بعضنا البعض ومع المحيط الحَضَرِيّ الذي يحيط بنا بهدوءٍ وسعة صدر؟
أسئلة أكررها كل عام, وأجد لها إجابات جديدة كل مرة. ما يمكن أن نسميه “علم الأخلاق الحضريَّة” في الثقافة الإسلاميَّة هو علم ينزع دائمًا إلى إِحداث توازنٍ عُمرانيّ/اجتماعيّ في المدن العربيَّة الإسلامية بشكل عام، أي أنه معيار كامن في اللاوعي لدى المجتمعات المسلمة يعيدها إلى التوازن العمراني حتى في حالة الشطط والابتعاد عن المبادئ الأساسية للدين. وفي رمضان على وجه الخصوص تظهر الأخلاق الحضريَّة كمحرك لتناغم وتوازن اجتماعي يحتاج لهما المجتمع وتطلبهما المدن الكبرى التي تتشظى فيها الأخلاق، ويتباعد داخلها الناس.

JoomShaper